يا للهول… نحاور من؟ ✍️د. الشاذلي عبداللطيف قيل لنا: الحوار.
يا للهول… نحاور من؟
✍️د. الشاذلي عبداللطيف
قيل لنا: الحوار.

فقلنا: نعم للحوار. فالحوار في ذاته قيمة وطنية، والسلام غاية لا يختلف عليها عاقل، والسودان بعد سنوات الدم والخراب يحتاج الى كلمة تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم.
لكن قبل أن ترتب الكراسي، وتوزع الدعوات، وتفتح القاعات أبوابها للحديث عن “المستقبل”، يقف المواطن السوداني وسط ركام بيته، يحمل مفتاحا لم يعد يفتح شيئا، وينظر الى المشهد كله ثم يسأل:
يا للهول… نحاور من؟
نحاور من وقف مع الوطن حين كان الوطن في أخطر ساعاته؟
أم نحاور من صمت عن الحق عندما كان الجيش يقاتل دفاعا عن بقاء الدولة، ثم وجد صوته كاملا عندما حان وقت توزيع المقاعد؟
نحاور من رأى القتل والنهب والاغتصاب والتشريد واحتلال البيوت وتدمير المؤسسات، فلم يجد كلمة واضحة يدين بها ما جرى، بينما كان يجد عشرات الكلمات للطعن في من يقاتلون لحماية الدولة؟
ونحاور من ساهم في دعم المليشيا، أو وفر لها غطاء سياسيا أو إعلاميا، أو برر جرائمها، أو حاول تجميل مشروعها، أو ساوى بينها وبين مؤسسة الدولة العسكرية؟
ثم ماذا عمن يثبت أنه تخابر ضد بلاده، أو قدم عونا لمن حمل السلاح ضد الدولة؟
هل يدخل هو الآخر من الباب نفسه، ويجلس على الطاولة نفسها، ثم يحدثنا بكل هدوء عن “كيفية بناء السودان الجديد”؟
يا للهول!
أي منطق هذا؟
هل نحضر من أشعل البيت، ثم نسلمه مخطط إعادة البناء؟
هل نستدعي من فتح الباب للصوص ليعطينا محاضرة في أمن المنازل؟
وهل يكفي أن يرتدي المرء بدلة أنيقة، ويغير مفرداته، وينتقل من خطاب الحرب الى خطاب السلام، حتى تمحى ذاكرة شعب كامل؟
السوداني قد يفقد بيته، لكنه لا يفقد ذاكرته.
قد يغادر مدينته بثوب واحد وحقيبة صغيرة، وقد ينام في مدرسة أو معسكر أو تحت شجرة، لكنه يعرف تماما من وقف معه، ومن وقف ضده، ومن راهن على سقوط دولته، ومن كان ينتظر انهيار الجيش ليعلن نفسه وريثا لما تبقى من السودان.
هذه الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية.
كانت امتحانا وطنيا مفتوحا.
وفي الامتحانات الكبرى تسقط الأقنعة.
كان هناك من يقاتل في الميدان.
ومن يدفن شهداءه.
ومن يعالج جرحاه.
ومن يحمي ما تبقى من مؤسسات الدولة.
وفي الجانب الآخر كان هناك من يكتب البيانات الناعمة، ويبحث عن المصطلحات التي تجعل الجريمة “نزاعا”، والخيانة “وجهة نظر”، والاصطفاف مع السلاح ضد الدولة “موقفا سياسيا”.
وهنا يجب أن يكون الكلام واضحا.
ليس كل من اختلف مع السلطة خائنا.
وليس كل من انتقد الجيش عدوا.
وليس كل صمت جريمة يعاقب عليها القانون.
لكن التاريخ أيضا لا يمنح الجميع الدرجة نفسها.
هناك فرق بين المعارضة السياسية وبين دعم قوة مسلحة تقاتل الدولة.
فرق بين النقد وبين التخابر.
فرق بين الاختلاف وبين التحريض.
وفرق بين من أخطأ في تقديره السياسي، ومن تثبت مشاركته في جريمة أو دعمه لها.
هذه الفروق يجب ألا تضيع في زحام التسويات.
فالعدالة لا تعني الانتقام، لكنها تعني ألا تمحى المسؤولية.
والسلام لا يعني النسيان.
والمصالحة لا تعني أن نستبدل أسماء الملفات ثم نعيد أصحابها الى الواجهة وكأن شيئا لم يحدث.
السودان ليس مغسلة سياسية.
ولا ينبغي أن يدخل المرء إليها محملا بمواقف الحرب، ثم يخرج منها بعد مؤتمر واحد بثوب “رجل السلام”.
كان الجيش يقاتل.
بينما كان البعض يرسم خرائط طريق فوق الورق، كان الجندي السوداني يرسم طريق الدولة فوق التراب والنار.
لا منصة أمامه.
لا قاعة مكيفة.
لا كاميرا تنتظر تصريحا.
كان أمامه وطن، وخلفه شعب، وعلى كتفه واجب ثقيل.
ولهذا نقولها كما صنعتها الوقائع:
جيش عظيم… وشعب مقتدر.
حين ظن البعض أن الدولة ستسقط، بقيت.
وحين راهنوا على انكسار الشعب، نهض من بين الركام.
وحين انتظروا انهيار الجيش، ظل واقفا.
ومع ذلك، نحن نريد السلام.
نريده بشدة.
فالسودان لم يعد يحتمل قبرا جديدا، ولا أما تنتظر خبرا جديدا، ولا طفلا يحمل حقيبته في رحلة نزوح أخرى.
لكن السلام الذي نريده ليس سلاما يمحو الذاكرة.
ولا حوارا يكافئ من ساهم في الخراب.
ولا تسوية تحول الدم الى مجرد هامش في وثيقة سياسية.
طريق المستقبل واضح:
الحقيقة أولا.
ثم المساءلة وفقا للقانون.
ثم العدالة.
ثم يأتي الحوار الوطني الحقيقي الذي لا يقصي صاحب الرأي، ولا يحمي صاحب الجريمة.
من اختلف سياسيا، فليختلف.
ومن انتقد، فله حقه.
ومن أخطأ، فالشعب يحاسبه سياسيا.
أما من تثبت عليه جريمة، أو دعم لمليشيا، أو تخابر ضد الدولة، فمكان مساءلته أمام القانون، لا خلف طاولة تمنحه براءة سياسية مجانية.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد خلاف سياسي.
إنها مسألة ذاكرة وطن.
فالشعب الذي دفع ثمن الحرب من دمه وبيته وماله ومستقبل أبنائه ليس مطلوبا منه أن ينسى لمجرد أن أحدهم قرر فجأة أن زمن الحوار قد حان.
نعم للحوار.
لكن مع من يؤمن بالدولة.
نعم للسلام.
لكن سلاما يحمي العدالة ولا يدفنها.
نعم للمصالحة.
لكن مصالحة لا تحول الخراب الى سلم للعودة الى السلطة.
فإذا طلب من هذا المواطن أن ينسى كل شيء، وأن يصفق لمن يراه قد وقف يوما في الجانب الخطأ من تاريخ بلاده، فسينظر الى الجميع طويلا، ويطلق تلك الابتسامة السودانية التي تجمع بين المرارة والسخرية والحكمة، ثم يقول:
يا للهول… نحاور من؟
جيش عظيم.
شعب مقتدر.
دولة يحكمها القانون.
ووطن ذاكرته أطول من أعمار الكراسي.
