أمواج ناعمة الحوار و”مريسة أم تام زين” د. ياسر محجوب الحسين
أمواج ناعمة
الحوار و”مريسة أم تام زين”
د. ياسر محجوب الحسين
أما وقد أصبح «الحوار السوداني-السوداني» يُعلَن كما تُعلَن صفقات الخصخصة المفاجئة، فقد خرج علينا رئيس مجلس السيادة بقرارٍ يشبه قرار من يقفز إلى النهر، ثم يكتشف، بعد فوات الأوان، أنه نسي أن يتعلّم السباحة.
شطب البلاغات، ضمانات مكتوبة، حصانة لكل من يدخل البلاد «بغرض الحوار».. كل ذلك في صفقة واحدة، كأن الدولة اكتشفت فجأة أن بناء السلام والحوار المفضي إليه يحتاج إلى مرسوم سيادي سريع، لا إلى تدرج سياسي مدروس.
بدلا من أن تسبق القرار اتصالات هادئة، وترتيبات خلف الستار، وخبرة سياسية تعرف كيف تُختبر النوايا خطوة بخطوة، جاء الإعلان من وزير العدل في مؤتمر صحفي بالخرطوم كأنما يوزّع شيكا على بياض: لا إجراءات جنائية بحق أي مواطن بسبب رأيه في الحوار، موافقة البرهان على شطب البلاغات، ضمانات مكتوبة، ومناخ حريات عام، وحصانة للمشاركين القادمين من الخارج. دور الدولة، كما قيل، يقتصر على «تهيئة الظروف». جميل.. لكن متى كانت التهيئة تُعلن بعد التوقيع على الشيك لا قبله؟
هذا التهافت ليس جدية دولة، بل عجلة من يخشى أن يبرد الطبق قبل أن يصل إلى المائدة. السياسة الحقيقية تبني الثقة على مراحل: ضمانات محدودة أولا، ثم اختبار الالتزام، ثم توسيع الدائرة، ثم القرار النهائي. أما أن تُعطى الحصانة الكاملة والشطب الشامل دفعة واحدة، فكأنك تسلم المفاتيح قبل أن تتأكد أن الزائر جاء للحوار لا ليسخر من أهل البيت.
ولعل التاريخ القريب يذكرنا بحسن النية الضار. في صبيحة 15 أبريل 2023، وبعد اندلاع شرارة الحرب، تواصلت قناة الحدث مع القائد عبدالفتاح البرهان. طلب البرهان من حميدتي إيقاف هذه الحرب «العبثية» والجلوس للتفاكر وحل الخلافات سلميا. ومن الطريف أن كلمة «عبثية» التي يرددها البعض اليوم كأنها اكتشاف جديد، كان أول من أطلقها هو البرهان نفسه في تلك المكالمة. أما الطرف المتمرد حميدتي، عندما اتصلت به القناة مباشرة بعد مهاتفة البرهان، جاء رده واضحا: ليس أمام البرهان إلا الاستسلام أو القبض عليه.
في ذلك الوقت لم يطالب المشطوبة بلاغاتهم قائد التمرد بالجلوس أو بإيقاف الحرب. صمت مطبق، بل مطالب صريحة للجيش بالاستسلام «مثل اليابان». كانوا واثقين أن المليشيا على بعد خطوة من الحسم. واليوم، بعد سنوات من الدم والخراب، يُفتح لهم باب الحوار بشيك على بياض.. كأن الزمن لم يمر، وكأن الدروس لم تُكتب بالدم.
إن شاء الله بعد دا كلو الحوار يجيب «مريسة تام زين». وطبعا «تام زين» هي صانعة المريسة التي كانت تجمع بقايا الكؤوس في آخر الليل («الكرتة») لتبيعها بثمن بخس للمفلسين. فأصبحت «مريسة تام زين» رمزا لكل جهد كبير ينتهي بشيء أحقر من الصفر، لا قيمة له ولا نفع يُرجى منه. حوار يُعلن بهذه العجلة، بهذه الساق الواحدة، وبهذا الشيك المفتوح.. لا يستبعد أن ينتهي بمريسة تام زين، يتجرعها الجميع وهم يتظاهرون أنها عصير الحرية.
الجدية الحقيقية ليست في سرعة الإعلان، بل في صبر الترتيب. أما أن تُعطى الضمانات دفعة واحدة ثم تُنتظر النتائج، فهذا ليس سياسة.. هذا تهافت يرتدي ثوب الحوار.
