الحوار السوداني بين شرعية الفكرة وأزمة الآلية قراءة تحليلية في نتائج استطلاع الرأي العام حول لجنة تهيئة الحوار السوداني د/ أميرة كمال مصطفى
الحوار السوداني بين شرعية الفكرة وأزمة الآلية
قراءة تحليلية في نتائج استطلاع الرأي العام حول لجنة تهيئة الحوار السوداني
د/ أميرة كمال مصطفى 🖊️
اثناء الأزمات الوطنية الكبرى لا تكفي سلامة الفكرة لكي تنجح المبادرة التي تحملها فالفكرة السياسية قد تحظى بقبول واسع بينما تفقد الآلية التي يفترض أن تحولها إلى واقع ثقة الجمهور. وهذه هي المفارقة الأبرز التي يمكن استخلاصها من نتائج استطلاع مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام، المنشور في 18 سبتمبر 2026م بشأن لجنة تهيئة الحوار السوداني.
فالرقم الأكثر دلالة في الاستطلاع ليس ذلك الذي يقيس الموقف من اللجنة وإنما الذي يكشف أن 81.4% من المشاركين يؤيدون مبدأ الحوار السودانى السوداني. وهذا يعني أن أصل المشكلة،وفقاً للعينة المستطلعه ليس رفض الحوار بوصفه وسيلة لمعالجة الأزمة وإنما السؤال الأكثر تعقيداً من يهيئ لهذا الحوار؟ وبأي شرعية؟ ولصالح أي تصور للسودان؟
هنا تنتقل القضية من مجرد تشكيل لجنة إلى قضية أعمق تتصل بالثقة والتمثيل والاستقلالية والقدرة على جمع المختلفين حول طاولة واحدة.
أولاً: قبول الحوار لا يعني قبول هندسته السياسية
يكشف الاستطلاع عن مساحة واسعة من القبول لفكرة الحوار يقابلها تحفظ واضح على الجهة التي تتولى تهيئة ساحته.
فبينما بلغ التأييد للحوار 81.4%، اعتبر 66.5% أن تشكيل اللجنة غير مناسب أو ضعيف وهذه الفجوة تمثل جوهر الأزمة.
فالناس قد توافق على ضرورة الحوار، لكنها لا تمنح بالضرورة ثقتها لأي جهة تتولى تنظيمه. ومن ثم فإن شرعية الحوار شيء، وشرعية الجهة التي تدير مقدماته شيء آخر.
وهذه نقطة ينبغي التعامل معها بجدية لأن الحوار الوطني يكتسب مشروعيته من طبيعة الأطراف التي تهيئه وقواعد المشاركة فيه والضمانات التي تحكمه ومدى شعور المكونات المختلفة بأنها ليست أمام عملية محسومة النتائج سلفاً.
ثانياً: السودان الذي يريد الحوار أوسع من النخب التي تتحدث باسمه
من أكثر المؤشرات إثارة للاهتمام أن 61.1% من المشاركين لا يرون أن التشكيل الحالي يعكس تنوع المجتمع السوداني، بينما يرى 84.4% أن اللجنة تحتاج إلى تمثيل أكثر توازناً للولايات والمجتمعات المحلية.
هذه النتيجة تضع مفهوم التمثيل في مركز النقاش.
السودان متنوع ولا يمكن اختزال مجتمعه في الأحزاب والقوى السياسية والنخب المدنية والعسكرية. هناك ولايات وأقاليم ومجتمعات محلية ونساء وشباب ونازحون ولاجئون، وعاملون وأكاديميون وإدارات أهلية وقوى اجتماعية واقتصادية ومكونات ثقافية وإثنية وأجيال تحمل تجارب مختلفة مع الدولة والحرب.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي هو هل يستطيع المواطن السوداني في مختلف مناطق البلاد أن يرى نفسه ومخاوفه ومصالحه داخل هذه العملية؟
إذا كانت الإجابة غير واضحة فإن الحوار قد يتحول من مشروع وطني جامع إلى حوار للنخب حول مستقبل مجتمع أوسع منها.
ثالثاً: الجغرافيا السياسية لم تكن يوما بديلاً عن الجغرافيا الاجتماعية
الطلب الذي عبّر عنه 84.4% بضرورة تحقيق تمثيل أكثر توازناً للولايات والمجتمعات المحلية يحمل دلالة تتجاوز مسألة توزيع المقاعد.
فالحرب أعادت إنتاج السودان بصورة شديدة التعقيد؛ إذ اختلفت تجارب المواطنين باختلاف مناطقهم، وتباينت آثار الحرب عليهم، كما تباينت رؤيتهم للدولة ولأسباب الأزمة ولأولويات المرحلة المقبلة.
ولهذا فإن التمثيل الجغرافي لا ينبغي أن يكون مجرد إضافة أسماء من مناطق مختلفة إلى قائمة أعضاء اللجنة ولكنه يجب أن يتحول إلى منهج لصناعة المعرفة السياسية.
فمن يريد إعداد حوار وطني يحتاج أولاً إلى الاستماع إلى المجتمع قبل أن يتحدث باسمه.
وقد يكون من المفيد في هذا السياق إنشاء آلية موازية للاستماع المجتمعي تعقد جلسات ومشاورات في الولايات والمجتمعات المحلية وترفع خلاصاتها إلى اللجنة بحيث يصبح الحوار مبنياً على قاعدة اجتماعية حقيقية وغير مبنى على تقديرات النخب وحدها.
رابعاً: أزمة اللجنة في جوهرها أزمة ثقة
الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي عملية سياسية انتقالية.
وعندما يقول 35.5% من المشاركين إن لديهم شكوكاً بشأن استقلالية اللجنة و33.3% إنهم لا يرونها مستقلة ومحايدة فإن الرسالة الأساسية تعنى وجود شك عام يحتاج إلى معالجة مؤسسية.
والشك السياسي لا يعالج بالبيانات وحدها ولا بالدفاع الإعلامي عن أعضاء اللجنة وإنما بتصميم إجراءات تجعل الاستقلالية قابلة للملاحظة والتحقق.
فكلما كانت قواعد الاختيار واضحة ومصادر التمويل معلنة ومحاضر الاجتماعات أو خلاصاتها متاحة ومعايير المشاركة معروفة وآليات اتخاذ القرار محددة أصبحت الثقة أقل اعتماداً على الانطباعات الشخصية.
ومن هنا تأتي أهمية النتيجة المتعلقة بالتمويل: 76.1% يرون ضرورة الإعلان عن مصادر تمويل أنشطة اللجنة بينما يرى 64.5% أن مصادر التمويل تؤثر في الثقة باستقلاليتها.
الشفافية المالية أهم جزء من الشرعية السياسية.
خامساً: وقف الحرب والحوار ليسا بالضرورة مسارين متعارضين
تكشف إجابات المشاركين عن ثلاث مقاربات رئيسية: 43.6% يضعون وقف الحرب أولاً و32.6% يرون ضرورة السير في المسارين معاً بينما يعطي 17.1% الأولوية لبدء الحوار.
هذه الأرقام تطرح سؤالاً منهجياً مهماً هل يجب النظر إلى وقف الحرب والحوار باعتبارهما مرحلتين منفصلتين أم باعتبارهما مسارين متداخلين؟
في الواقع السياسي، يمكن أن يؤدي استمرار الحرب إلى إضعاف البيئة اللازمة للحوار، لكن الحوار نفسه قد يكون إحدى الأدوات التي تساعد على الوصول إلى وقف مستدام للقتال.
لذلك قد تكون المقاربة الأكثر قابلية للنقاش هي بناء مسارين متوازيين مسار لووقف الأعمال القتالية ومسار سياسي للحوار والتفاوض وبناء التوافق. ولا يعني ذلك تجاوز الأولويات الأمنية والإنسانية وإنما يعنى منع تحويل وقف الحرب والحوار إلى معادلة صفرية يستحيل فيها البدء بأحدهما قبل اكتمال الآخر.
سادساً: الحوار الشامل لا يعني غياب المعايير
أيد 71.7% من المشاركين أن يشمل الحوار جميع القوى السياسية دون استثناء، في حين ظهرت مواقف أخرى تقترح تضييق دائرة المشاركة.
وفى هذه الحاله يجب التمييز بين مفهومين:
الشمول والقبول غير المشروط.
فالحوار الشامل يعني توسيع دائرة الاستماع والمشاركة لكنه لا يعني بالضرورة غياب القواعد المنظمة للمشاركة أو تجاهل المسؤوليات القانونية والسياسية للأطراف.
والحوار الجاد يحتاج إلى معايير معلنة تحدد من يشارك وكيف يشارك، وما هي القواعد التي تحكم النقاش وما الذي يمكن أن يكون موضوعاً للحوار، وما الذي يخضع للقانون أو للعدالة أو للترتيبات الدستورية.
وبذلك يصبح الشمول أداة لبناء السلام، بدل من أن يكون أداة سياسياً بلا ضوابط.
سابعاً: التواصل مع الرافضين اختبار حقيقي لجدية الحوار
تكمن إحدى أهم وظائف أي لجنة تهيئة للحوار في الوصول إلى الذين لا يثقون بها أصلاً.
فإذا كان الحوار لا يجذب إلا المؤيدين له فإنه لا يحتاج إلى لجنة تهيئة بالمعنى الحقيقي لأن الاختبار الفعلي يبدأ عندما تجلس اللجنة مع من يرفضها أو يشكك في أهدافها أو يختلف مع رؤيتها.
وقد رأى 47.8% ضرورة التواصل مع القوى الرافضة للحوار، إضافة إلى 12.1% يؤيدون ذلك إلى حد ما.
هذه النتيجة تضع أمام اللجنة مبدأ مهماً: الخصومة السياسية ليست سبباً كافياً لقطع قنوات الاتصال.
فالسلام لا يُبنى فقط بين المتفقين أيضا يبدأ عندما يصبح الاختلاف قابلاً للإدارة دون أن يتحول إلى عنف أو إقصاء.
ثامناً: المشكلة ليست في عدد أعضاء اللجنة وإنما في هندسة العملية
من الخطأ اختزال الملاحظات الواردة في الاستطلاع في مسألة «زيادة عدد أعضاء اللجنة».
فزيادة الأعضاء وحدها لا تنتج تمثيلاً حقيقياً.
المطلوب هو إعادة التفكير في هندسة عملية التهيئة نفسها.
ويمكن أن تقوم هذه الهندسة على خمسة مستويات:
مستوى سياسي: يضم القوى السياسية والمدنية ذات الصلة.
مستوى مجتمعي: يضمن مشاركة الولايات والمجتمعات المحلية.
مستوى مهني وأكاديمي: يوفر المعرفة والخبرة في الاقتصاد والإدارة والقانون والسلام وبناء المؤسسات.
مستوى شبابي ونسائي: يضمن حضور الأجيال والفئات التي ستتحمل نتائج التسوية السياسية.
مستوى استماع مجتمعي: يستقبل آراء المواطنين والنازحين واللاجئين والمجتمعات المتأثرة بالحرب.
وبهذه الصيغة تصبح اللجنة مركزاً لإدارة عملية مجتمعية واسعة، بدلاً من أن تكون مجرد مجموعة محدودة من الشخصيات.
تاسعاً: النجاح لا يقاس بانعقاد الحوار بقدرما يقاس بما ينتجه
عندما يرى 53% من المشاركين أن فرص نجاح اللجنة ضعيفة وترتفع نسبة من يرون ثقتهم في قدرتها على تهيئة الحوار ضعيفة إلى 54.6%، فإن ذلك يعني أن معيار النجاح يجب أن يكون أكثر دقة ولا ينظر إليه كمؤتمر أو إصدار بيان ختامي.
السؤال الذى يطرح نفسه هو:
هل ستتمكن العملية من إنتاج تفاهمات قابلة للتنفيذ؟
هل تستطيع تخفيض مستوى الاستقطاب؟
هل ستنتج تصوراً مشتركاً للدولة؟
هل ستعالج جذور الصراع وليس أعراضه فقط؟
هل ستفتح الطريق أمام مؤسسات شرعية ومستقرة؟
وهل يشعر المواطن في نهاية المطاف أن صوته كان جزءاً من صناعة المستقبل؟
هذه هي المؤشرات التي ينبغي أن يُقاس بها نجاح الحوار.
عاشراً: من لجنة تهيئة الحوار إلى( بنية وطنية لصناعة الثقة)
ربما تكون أهم رسالة يمكن استخلاصها من الاستطلاع أن السودان لا يحتاج فقط إلى «حوار»، وإنما يحتاج قبل ذلك إلى بنية وطنية لإعادة بناء الثقة.
والثقة تصنع بالإجراءات.
لذلك يمكن أن يبدأ الإصلاح من مجموعة خطوات عملية:
نشر معايير اختيار أعضاء اللجنة.
إعلان مصادر التمويل وأوجه الصرف بصورة دورية.
توسيع التمثيل الجغرافي والمجتمعي.
إنشاء منصة مستقلة للاستماع إلى المواطنين.
فتح قنوات تواصل مع القوى المختلفة، بما فيها الرافضة للمسار.
وضع قواعد واضحة للمشاركة.
نشر مخرجات المشاورات للرأي العام.
الاستعانة بخبرات مستقلة في إدارة الحوار.
تخصيص مسارات للشباب والمرأة والمجتمعات المتضررة من الحرب.
الفصل الواضح بين إدارة الحوار وبين فرض نتائجه مسبقاً.
تمنح نتائج الاستطلاع صورة بالغة الأهمية هناك قبول واسع للحوار لكن هناك سؤال مهم وكبير حول الطريقة التي يُدار بها هذا الحوار.
وهذه مشكلة يمكن تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء العملية من أساسها.
فالاعتراض على التشكيل لا يعني رفض الحوار والشك في اللجنة لا يعني رفض السلام والمطالبة بتمثيل أوسع لا تعني تعطيل المسار السياسي.
على العكس قد تكون هذه المواقف تعبيراً عن مطلب أعمق أن يكون الحوار ملكاً للسودانيين وأن لا يكون مناسبة تتحدث فيها النخب باسم السودان.
الحوار الذي يستحق أن يوصف بأنه (سوداني سوداني) يبدأ من قاعدة بسيطة لكنها حاسمة:
لا أحد يملك السودان وحده ولا أحد ينبغي أن يُطلب منه أن يثق بعملية لا يرى نفسه فيها.
و المهمة المقبلة هى الإجابة عن السؤال الواقعى والمفروض وهو كيف نصمم عملية حوار يشعر السودانيون باختلاف مواقعهم وتجاربهم، بأنها تخصهم جميعاً؟
إذا نجحت عملية التهيئة في الإجابة عن هذا السؤال، يمكن أن تتحول الأرقام من مؤشرات على أزمة ثقة إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء الثقة
أما إذا بقيت العملية مغلقة على دوائر محدودة فإن المشكلة لن تكون في غياب الرغبة في الحوار
تكون فى غياب الآلية القادرة على تحويل هذه الرغبة الشعبية إلى مشروع وطني جامع
والوطن بعد أن أنهكته الحرب فإن قيمة الحوار فيه لا تكمن في عدد السودانيين الذين يستطيعون أن يروا مستقبلاً مشتركاً بعد انتهاء الحديث عنها.
ولأن للحقيقة سنا سنكتب
حفظكم الله ورعاكم
