*السودان.. من اقتصاد الأزمات إلى اقتصاد الإنتاج* *هل ننتظر الحلول أم نصنعها؟* **بقلم: المستشار د.* *محمد كامل دفع الله*
السودان.. من اقتصاد الأزمات إلى اقتصاد الإنتاج
هل ننتظر الحلول أم نصنعها؟
بقلم: المستشار د. محمد كامل دفع الله

الأزمة الاقتصادية التي يعيشها السودان ليست مجرد أزمة أرقام ومؤشرات مالية، ولا هي فقط تراجع في قيمة العملة أو ارتفاع في الأسعار أو اختلال في الميزان التجاري. إنها، في جوهرها، أزمة نموذج اقتصادي اختلت فيه العلاقة بين الموارد والإنتاج، وبين الإمكانات المتاحة والنتائج المتحققة، وبين ما يمتلكه السودان من ثروات وما ينعكس منها على حياة مواطنيه.
فالسودان، الذي يمتلك أراضي زراعية واسعة، وموارد مائية، وثروة حيوانية ضخمة، وموارد معدنية، وطاقات بشرية وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، كان يفترض أن يكون من الاقتصادات الأكثر قدرة على تحقيق الاكتفاء النسبي وبناء قاعدة إنتاجية متنوعة. لكن المفارقة أن هذه الإمكانات لم تتحول بالقدر المطلوب إلى قوة اقتصادية حقيقية، وظلت قطاعات واسعة من الاقتصاد رهينة ضعف الإنتاجية، ومحدودية التصنيع، واختلال السياسات، وتراكم الأزمات.
واليوم، في ظل ما تعرض له السودان من حرب ودمار وتعطل للمؤسسات والمنشآت الاقتصادية، لم يعد السؤال مقتصراً على كيفية معالجة الأزمة الراهنة، بل أصبح السؤال الأهم: أي اقتصاد نريد أن نبني بعد هذه المرحلة؟
إن إعادة بناء ما تهدم أمر ضروري، لكن إعادة بناء طريقة التفكير الاقتصادي أكثر أهمية؛ لأن إعادة إنتاج الاختلالات القديمة لن تقود إلا إلى نتائج مشابهة، مهما تغيرت الظروف أو تبدلت الوجوه.
أولاً: الأزمة لا تُحل بتغيير العناوين
في النقاش العام حول مستقبل السودان، كثيراً ما تتباين المواقف بين التفاؤل والتشاؤم، وبين الاحتجاج والمطالبة بالتغيير، وبين تحميل المسؤولية للحكومات أو السياسات أو الظروف الخارجية.
وبالطبع، فإن الإصلاح السياسي والمؤسسي، والمساءلة، والاستقرار، والحكم الرشيد، كلها عناصر أساسية لأي نهضة اقتصادية. لكن ينبغي ألا نخلط بين الشروط التي تهيئ التعافي وبين الأدوات التي تصنعه فعلياً.
*لا التفاؤل وحده، ولا التشاؤم، ولا الاحتجاج، ولا تغيير الحكومات، كفيلٌ بحل أزمتنا الاقتصادية.*
فالتغيير الحقيقي لا يقاس بمجرد تغير الأشخاص أو الخطاب، وإنما بما يحدثه من تحول في بنية الاقتصاد، وفي طريقة إدارة الموارد، وفي حجم الإنتاج، وفي قدرة الدولة على خلق بيئة تساعد على العمل والاستثمار.
إن الاقتصاد لا يستجيب للشعارات بقدر ما يستجيب للإنتاجية والاستثمار والكفاءة والاستقرار.
ثانياً: السودان يمتلك الموارد.. لكنه يحتاج إلى اقتصاد يحسن استثمارها
من أكبر التحديات التي واجهت الاقتصاد السوداني تاريخياً أن الثروة لم تتحول بصورة كافية إلى صناعة وتنمية مستدامة.
فالزراعة، على سبيل المثال، لا ينبغي أن تكون مجرد إنتاج محاصيل وتصديرها في صورتها الخام، بل يجب أن تكون مدخلاً لبناء صناعات غذائية وتحويلية، وشبكات تخزين ونقل وتعبئة وتسويق.
والثروة الحيوانية لا ينبغي أن تظل محصورة في تصدير الحيوانات الحية، بينما يمكن أن تشكل أساساً لصناعات اللحوم والألبان والجلود والأعلاف والصمغ.
أما الثروة المعدنية، فلا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها مصدراً للإيرادات أو العملات الأجنبية، بل باعتبارها فرصة لبناء سلاسل قيمة صناعية، مع ضرورة تنظيم التعدين وحماية البيئة وتعظيم العائد الوطني منه.
إن الفرق بين الاقتصاد الذي يبيع موارده والاقتصاد الذي يصنع بها ثروته هو الفرق بين تصدير الإمكانات وتصدير القيمة المضافة.
وهنا تكمن إحدى أهم معارك السودان الاقتصادية: الانتقال من اقتصاد يعتمد على بيع المواد الخام إلى اقتصاد ينتج ويصنع ويصدر منتجات ذات قيمة أعلى.
ثالثاً: الإنتاج والتصنيع.. الطريق إلى الاستقلال الاقتصادي
لا يمكن لدولة أن تحقق استقلالاً اقتصادياً حقيقياً وهي تعتمد بصورة مفرطة على استيراد احتياجاتها الأساسية، بينما تملك مقومات إنتاج جانب كبير منها.
إن الاعتماد على الاستيراد ليس مشكلة في حد ذاته، فالتجارة الخارجية جزء طبيعي من الاقتصاد الحديث، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاستيراد بديلاً عن الإنتاج المحلي، وعندما تتسع الفجوة بين ما يستهلكه المجتمع وما ينتجه الاقتصاد الوطني.
ومن هنا تبرز ضرورة إعادة تأهيل المصانع السودانية، وتشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير الصناعات الغذائية والدوائية والنسيجية والهندسية، وربط الإنتاج الزراعي والصناعي بمنظومة متكاملة من التمويل والطاقة والنقل والتسويق.
كما أن الاستثمار في التصنيع لا يعني فقط زيادة عدد المصانع، بل يعني بناء منظومة إنتاجية قادرة على المنافسة، وتوفير فرص عمل مستقرة، وتطوير المهارات، ونقل التكنولوجيا، وتحسين جودة المنتجات.
فالوظيفة الحقيقية للصناعة ليست إنتاج السلع فحسب، بل بناء اقتصاد قادر على خلق الثروة وتوسيع قاعدة الدخل الوطني.
رابعاً: القطاع الخاص شريك في النهضة وليس مجرد متلقٍ للامتيازات
لا تستطيع الدولة وحدها أن تقود عملية التعافي الاقتصادي، كما لا يستطيع القطاع الخاص أن يؤدي دوره في بيئة تتسم بعدم الاستقرار وضعف المؤسسات وارتفاع المخاطر.
المطلوب هو علاقة اقتصادية جديدة تقوم على التكامل بين الدولة والقطاع الخاص ،تتولى فيها الدولة وضع السياسات وتوفير البنية التحتية وضمان سيادة القانون والمنافسة العادلة، بينما يقود القطاع الخاص الاستثمار والإنتاج والتشغيل والابتكار.
ويجب أن تكون الأولوية للمشروعات التي تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد، وتوفر فرص العمل، وتزيد الصادرات، وتقلل فاتورة الاستيراد، بدلاً من التركيز على الأنشطة قصيرة الأجل التي لا تترك أثراً إنتاجياً مستداماً.
كما أن المصارف والمؤسسات المالية مطالبة بتطوير أدوات تمويل تتناسب مع طبيعة النشاط الإنتاجي، خصوصاً في الزراعة والصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
خامساً: إعادة الإعمار فرصة لإعادة تأسيس الاقتصاد
إن الدمار الذي أصاب السودان يمثل خسارة إنسانية واقتصادية هائلة، لكنه يضع أمام البلاد أيضاً مسؤولية تاريخية تتمثل في ألا تكون إعادة الإعمار مجرد استعادة لما كان قائماً.
فإعادة الإعمار ينبغي أن تتجاوز تشييد المباني والطرق والمنشآت إلى إعادة تأسيس البنية الاقتصادية نفسها.
نحتاج إلى مدن إنتاجية، ومناطق صناعية، ومشروعات زراعية حديثة، وبنية تحتية للنقل والطاقة، ومؤسسات مالية قادرة على تمويل النشاط الاقتصادي، ومؤسسات تعليم وتدريب ترتبط باحتياجات سوق العمل.
ونحتاج كذلك إلى ترتيب الأولويات وفقاً للعائد الاقتصادي والاجتماعي، وتوجيه الموارد المحدودة إلى المشروعات الأكثر قدرة على تحريك الإنتاج وخلق فرص العمل وتحسين معيشة المواطنين.
فإعادة الإعمار الناجحة ليست تلك التي تعيد بناء ما تهدم فقط، بل التي تؤسس لاقتصاد أكثر قدرة على الصمود والنمو.
سادساً: من ثقافة انتظار الحلول إلى ثقافة صناعة الفرص
ربما تكون المشكلة الأكبر أننا اعتدنا انتظار الحلول من الخارج، أو من الحكومات، أو من تغير الظروف، بينما تتطلب النهضة الاقتصادية أن نعيد الاعتبار لقيمة المبادرة والعمل والإنتاج.
لا يعني ذلك إعفاء الدولة من مسؤولياتها، ولا التقليل من أهمية الإصلاح السياسي والمؤسسي، وإنما يعني أن التنمية لا يمكن أن تتحول إلى واقع ما لم تتضافر جهود جميع الأطراف.
فالمزارع الذي يطور إنتاجه، والصناعي الذي يعيد تشغيل مصنعه، والمستثمر الذي يوجه أمواله نحو مشروع إنتاجي، والشاب الذي يطور مهاراته، والمصرف الذي يمول مشروعاً منتجاً، والمؤسسة التي تحسن إدارة مواردها، جميعهم يساهمون في بناء الاقتصاد.
*فلا اقتصاد ينهض بالشعارات، ولا مستقبل يُبنى بالانتظار.*
إن المطلوب اليوم ليس المزيد من الجدل حول الأزمة بقدر ما هو الانتقال إلى برنامج عملي يحدد ما يمكن إنتاجه، وكيفية إنتاجه، والجهات المسؤولة عن ذلك، ومصادر التمويل، والأسواق المستهدفة، ومؤشرات قياس النجاح.
*لن نصنع مستقبلنا بانتظار الحلول، بل بصناعة أسبابها.*
سابعاً: أي سودان اقتصادي نريد؟
نريد سوداناً لا يكتفي بامتلاك الأراضي الزراعية، بل يحولها إلى إنتاج وفير وصناعات غذائية وأسواق تصدير.
نريد سوداناً لا يكتفي بامتلاك الثروة الحيوانية، بل يبني عليها صناعات متكاملة تحقق عائداً أكبر وتوفر فرص عمل.
نريد سوداناً لا يكتفي باستخراج المعادن، بل يطور قدراته في التصنيع والاستفادة من موارده بصورة مستدامة.
نريد اقتصاداً يوفر بيئة جاذبة للاستثمار، ويعيد الثقة في المؤسسات، ويمنح الشباب فرصة للعمل والإبداع، ويجعل القطاع الخاص شريكاً حقيقياً في التنمية.
ونريد دولة تقيس نجاح سياساتها الاقتصادية بما تحققه من نمو في الإنتاج، وتحسن في مستوى المعيشة، وتوسع في فرص العمل، وزيادة في الصادرات، وليس فقط بما تعلنه من خطط وبرامج.
خاتمة: لا نهضة بلا إنتاج
إن السودان يقف أمام مفترق طرق اقتصادي وتاريخي. فإما أن تتحول الأزمات إلى فرصة لمراجعة النموذج الاقتصادي وإعادة بناء أسسه، أو أن نستمر في معالجة الأعراض دون الاقتراب من جذور المشكلة.
لقد آن الأوان للانتقال من اقتصاد ردود الأفعال إلى اقتصاد المبادرات، ومن اقتصاد استهلاك الموارد إلى اقتصاد استثمارها، ومن تصدير المواد الخام إلى تصنيعها، ومن انتظار الفرص إلى صناعتها.
*الإنتاج ليس خياراً، بل ضرورة وطنية وطريقٌ إلى التعافي والكرامة والاستقلال الاقتصادي.*
فلا قيمة حقيقية لثروة لا تتحول إلى تنمية، ولا معنى لموارد لا تنعكس على حياة الناس، ولا مستقبل لاقتصاد لا يستطيع توفير احتياجات مجتمعه وخلق فرص العمل لأبنائه.
إن السودان لا يحتاج فقط إلى استعادة اقتصاده، بل يحتاج إلى إعادة اكتشاف قدرته على الإنتاج.
*فالأمم لا تنهض بما تملكه من ثروات، وإنما بما تصنعه من هذه الثروات. والسودان لن يكون قوياً بما يختزنه باطن أرضه أو تمتد به سهوله، بل بما تنتجه سواعد أبنائه، وما تحوله عقولهم من إمكانات إلى واقع، ومن موارد إلى قيمة، ومن أحلام إلى اقتصاد حيّ ومنتج.*
هذه هي معركة التعافي الحقيقية.معركة الإنتاج والعمل والتصنيع وبناء المستقبل.
