منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ* *فَرْحَةُ التَّخَرُّجِ بَيْنَ شُكْرِ النِّعْمَةِ وَصِيَانَةِ الْقِيَمِ وَالْأَخْلَاقِ* *✍🏼 : فريق شرطة حقوقي – محمود* قسم السيد

0

مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ
فَرْحَةُ التَّخَرُّجِ بَيْنَ شُكْرِ النِّعْمَةِ وَصِيَانَةِ الْقِيَمِ وَالْأَخْلَاقِ
✍🏼 : فريق شرطة حقوقي – محمود قسم السيد

إن ما نشاهده في بعض حفلات التخرج من مظاهر سلوكية لا تليق بمقام العلم ولا بقيم المجتمع، ليس مجرد اختلاف في أساليب التعبير عن الفرح، بل هو مؤشر على خلل قيمي وتربوي يستحق الوقوف عنده والتأمل في أسبابه وتداعياته.
فالأمم لا تنهض بالعلم وحده، وإنما تنهض بالعلم والأخلاق والانضباط واحترام القيم.

التخرج نعمة تستوجب الشكر لا مناسبة للتباهي والانفلات
إن الحصول على الشهادة الجامعية فضل من الله ونعمة عظيمة تستوجب الحمد والشكر، يقول سبحانه وتعالى:﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
فالفرح الحقيقي بفضل الله ينبغي أن يقترن بالشكر والتواضع وحسن الخلق، وتسخير العلم فيما ينفع الإنسان والمجتمع، لا أن يتحول إلى مظاهر من الإسراف والتجاوز والخروج عن القيم.
ويذكرنا القرآن الكريم بعاقبة كفران النعم، فيقول سبحانه:﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112].
وفي هذه الآية تذكير بعظمة نعم الله ووجوب شكرها، والتحذير من كفرانها وسوء استعمالها.
العلم بلا أخلاق لا يصنع نهضة
من المؤسف أن تتحول لحظة التتويج العلمي إلى مشاهد من الفوضى والتجاوزات، بدلًا من أن تكون مناسبة للتواضع والامتنان والاعتزاز بالإنجاز.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: ألم يشاهد هؤلاء كيف يتم تخريج طلاب الكليات العسكرية؟ ألم يتأملوا مشاهد اصطفاف الخريجين، ودقة الانضباط، ووحدة الزي، والالتزام بالتعليمات، والوقار الذي يحيط بمراسم التخرج؟
إنها ليست مجرد مراسم عسكرية، بل تعبير عن سنوات من التدريب والتربية على الانضباط وتحمل المسؤولية واحترام الواجب.
لسنا بصدد تحويل الجامعات المدنية إلى ثكنات عسكرية، فلكل مؤسسة طبيعتها ورسالتها، ولكننا نتحدث عن قيم مشتركة ينبغي أن يتحلى بها كل خريج، وفي مقدمتها الانضباط والاحترام والاعتزاز بالعلم والالتزام بالأخلاق.
فالشهادة الجامعية ليست مجرد مؤهل للحصول على وظيفة أو مكانة اجتماعية، بل هي أمانة ومسؤولية تجاه الوطن والإنسانية. والطبيب مطالب بأخلاق المهنة، والمهندس بأمانة العمل، والمعلم برسالة التربية، وكل خريج مسؤول عن توظيف علمه في خدمة المجتمع.
إن هذه السلوكيات لا تمثل ثقافتنا السودانية الأصيلة، ولا تعبر عن شبابنا جميعًا، وإنما هي مظاهر سلبية مستحدثة، يغذيها أحيانًا الترف والبذخ والتقليد الأعمى، وتكشف عن خلل في فهم الحرية والفرح والمسؤولية.
وقد أثارت بعض المظاهر الاحتفالية المنسوبة إلى طلاب سودانيين في رواندا تساؤلات حول ضرورة احترام قوانين الدول وأنظمتها، ومسؤولية أبنائنا عن تمثيل وطنهم بصورة مشرفة أينما كانوا.
المعالجة مسؤولية مشتركة
إن الأمر لم يعد يحتمل الاكتفاء بالنصح والاستنكار، بل لا بد من اتخاذ تدابير جادة للحد من هذه الظواهر السالبة التي تغضب رب العباد وتؤذي العباد، وتسيء إلى صورة المجتمع وقيمه.
وتقع المسؤولية على الجامعات والمؤسسات التعليمية وأولياء الأمور والجهات المختصة، من خلال وضع ضوابط واضحة وملزمة لحفلات التخرج، ومراعاة القيم الدينية والأخلاقية والذوق العام، ومنع الممارسات التي تتجاوز حدود النظام والاحترام، مع تعزيز التربية والتوعية والانضباط.
ولا يعني ذلك إلغاء فرحة الشباب أو مصادرة حقهم في الاحتفال بإنجازهم، وإنما توجيه هذه الفرحة إلى صورة حضارية تليق بمكانة العلم والجامعة والخريج، وتحفظ كرامة الجميع.
إن بناء الأوطان لا يبدأ من قاعات الجامعات ومراكز البحث العلمي وحدها، بل يبدأ من بناء الإنسان علميًا وأخلاقيًا وسلوكيًا؛ فالمعرفة التي لا يصحبها وعي، والعلم الذي لا تسنده أخلاق، لا يكفيان لصناعة النهضة.
_خلاصة قولنا :
إننا بحاجة إلى جيل يجمع بين العلم والإيمان، والمعرفة والأخلاق، والنجاح_ والمسؤولية؛ جيل يعتز بهُويَّته، ويحترم مجتمعه، ويجعل من علمه وسيلة للبناء والإعمار لا مجرد مظهر للتفاخر.
_بالعلمِ نرتقي إلى أسمى العُلا
وبالأخلاقِ تُبنى أمّةٌ وتُخلَّدُ_
فشكر النعمة يكون بصونها، واحترام العلم يكون بالعمل بأخلاقه، وبناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان.
والله ولي التوفيق

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.