وقائع وتوقعات د.ربيع عبدالعاطى عبيد يكتب : من أجل الإصلاح …. التأسى بالقدوة
وقائع وتوقعات
د.ربيع عبدالعاطى عبيد يكتب :
من أجل الإصلاح …. التأسى بالقدوة

ü لقدغُصت عميقاً قراءةً وإطلاعاً ، فى جُب كتب السيرة ، والتاريخ الإسلامى ، وذلك بهدف الوصول إلى سر إنتشار الإسلام ، والإعتقاد به ديناً خاتماً ، وعقيدة سمحاء ، من يبتغ غيره لن يُقبل منه ، وهو فى الآخره من الخاسرين .
ü والنتائج التى توصلت إليها بعد البحث والتنقيب ، بأن هذا الإنتشار الواسع ، وذلك التمدد منقطع النظير ، الذى قضى على إمبراطوريات ، ووثنيات ، ومعتقدات فاسدة ، لم يكن بفعل سرعةٍ للوسائط ، ولا بأثر إندياحٍ وتدفق للمعلومات ، أو تقانات وفرتها فضائيات بأقمارٍ إصطناعية ، وإنما كان بجهد وفضل وإيمان أولئك الرجال الذين حملوا الإسلام فى عقولهم ، وتيقنت به قلوبهم ، قد تحركوا من مكان إلى مكان ، ومن قارة إلى قارة ، ومن صحارى إلى تخوم وأودية ، فى كل الإتجاهات ، ليس من أجل دنيا يحفها الحرير وحياة يكسوها التنعم والديباج ، ولكن من أجل فكرة وما أجلها من فكرة ، وسلوك منهج قدوة وما أعظمها من قدوة .
ü ولو كان الأمر أمر دنيا ، لما إستطاعوا أن يستقطبوا أحداً ، أو يجدوا مُناصراً ، ذلك لأن الكلمات المجنحة ، والألفاظ المعسولة ، والعبارات المؤثرة ، قد تفعل أثراً لحظياً لكنها لا تنفذ إلى القلوب ، فَتُحْدِث الإستقرار المطلوب ، ولا الديمومة التى يطمئن إليها من حمل مشاعل الدعوة وحملها للأخرين ، مستهدفاً بها التمكين لهذه الفكرة ، وتغلغلها فى سويداء القلوب ، وحنايا الصدور .
ü وقد كان ذلك منهج من أتى بعدهم فى العصر المبكر للإسلام وفى فترة تلاقح الأجيال الأولى ، فكان التأسى والإتباع بقدوات منيرة وقامات سامقة ، لمن آمنو بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمدٍ بن عبدالله رسولاً ونبياً ، هو العنصر الأساس ، والركيزة الأولى ، والسبب الحاسم الذى جعل أعداد المؤمنين بالإسلام ، تقفز أضعافاً مضاعفة فى أقل من مائة عام ، ليخترق المسلمون العالم ، بأخلاقهم ، وقيمهم ، وتسامحهم ، وعلو همتهم ، ورفيع ثقافتهم ، وفطرتهم السليمة ، التى جذبت نحوها الملايين ، دون تجشم لعناء تَطلبَّ منهم أن يكتبوا كُتباً ، أو يوزعوا منشورات ، أو يبثوا حديثاً مرسلاً عبر شاشات ، يبذل من أجلها المنتجون والمخرجون جهداً لتزويق الرسالة ، وتجميلها ، فالجمال كان طبيعياً ، ومتحركاً فى أشخاص من حملوا الرسالة ، وتأكد للذين آمنوا بها ، بأن هؤلاء هم الذين تنطبق عليهم آيات الجمال ، وعناصر الحكمة ، وخصائص الإنسانية ، ولم يقتضى الأمر يومذاك تأليف قصة ، أو صياغة رسالة ، أو إعداد برنامج ، ما دام أهل الدعوة يقومون بالفعل ، ويثبتون بالقول ، ويمارسون ذات المضامين التى آمنوا بها ، وتربوا عليها ، وخضعوا لما أمرهم به ربهم الرحيم .
ü وما من مجتمع ، أو أسرة يقومان على إقتداء وتأسىٍ ، إلا وكان أساسهما متيناً وناتجهما عظيماً ، وأثرهما قابلاً للإندياح والإنتشار ، بسرعة لا تجارى ، وهمة لا تمارى ، بحيث لا يمكن لما يناقضهما ، أو يعاكسهما ، أن تكتب له قدرة على المقاومة ، أو إيقاف لمسيرة قاصدة وذلك بفعل ما تحدثه القدوة الصالحة ، والقيادة الرشيدة من ولاء وإنحياز فى نفوس الأتباع ، بدلالة أن المسلمين تتكافأ دماؤهم وقواهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم .
ü إذ لا فرق هنا بين تابع ومتبوع ، وبين قائدٍ وجندى ، فالكل سواسية فإذا كان أحدهم فى الحراسة كان فى الحراسة ، وإذا كان فى الساقة كان فى الساقة .
ü والذى يقود مجتمعاً ، ويرجو من ورائه تنفيذاً للتوجهات ، وإنصياعاً للقرارات ، وخضوعاً لا يحتمل التنازع والخصام ، فإنه يحتاج للوصول لتلك المحصلة بألاَّ يبتعد عن قاعدته ، ولا يتعالى على جماهيره ، فيكون بينهم فى السراء والضراء ، حاملاً للمعول قبل أن يحملوه ، ومحتملاً للجوع والعطش إن حدث ، يأكل من ما يأكلون ويشرب من ما يشربون .
ü وعندما تكون القدوة ، هى الوسيلة ، والبيان بالعمل هو التطبيق ، لا يجرؤ أحدٌ على إلصاق التهم بالقيادة ، أو حصبها بالحجارة ، لأنها لا تعيش فى برج عاجى ، ولا تسكن فى مبانٍ زجاجية ، وإنما تسكن بينهم ، تقاسى ما يقاسون وتحتمل ما يحتملون .
ü أما إذا سافرت وباعدت القدوة ، وظن القائد بأنه هو الآمر الناهى ، والفرد الذى ينبغى أن يطاع ، فإنه بذلك ، عليه أن يتأكد بأنه مخادعٌ لنفسه ، ومخاتلٌ لغيره ، وسرعان ما يكتشف بأن ما أصدره من قرارات لم يتحرك قيد أنملة ، ومن كانوا يتبعونه من جماهير تهتف بحياته ، هم فى الحقيقة قطيع مأجور ، لا مبدأ له ، ولاء ، وإنما تسوقهم المصلحة فى الضعف والخواء كالزبد الرابى ، وأن تلك الخيوط التى كان يراها متينة ، ليست بالقوة التى ظنّها ، بأنها شبكة له محكمة ، متصلة القنوات ، إذ هى فى الواقع ليست إلا كخيوط العنكبوت ، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ، والمصيبة أنه مخدوع لا يعلم بأنها كذلك.
ü ولقد تيقنت بأن الذين يرجون لدعواتهم إنتشاراً ، ولبرامجهم إنحيازاً ، ولفكرهم ذيوعاً وإعتقاداً ، لا يفيدهم أن يطلقوا على الهواء رسائلاً ، أو يدبجوا خطباً ، أو يلقوا محاضرات ، أو يميلوا ميلاً نحو إستحداث برامج وحوارات ، وإستجلاب آخر ما تفتق العقل الإنسانى عنه من برمجيات ، ووسائط ، وإنما تبلغ الدعوات أقصى مراميها ، وأسمى معانيها بالقدوة الطيبة ، والأسوة الحسنة ، والحركة الإيجابية ، لتنطبق الأقوال على الأفعال ، وتترجم النظريات إلى واقع عملى ٍ تطبيقى ، وكم من هرقلية أفناها التعالى ، وكسراوية أودى بها التباعد والإنعزال .
ü وصدق الحق تبارك وتعالى بقوله ((لقد كان لكم فى رسول الله إسوة حسنة)) .
