منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*الحماداب الشجرة الحياة* *الحماداب الشجرة، الحكاية هُنا ليست من نسج الخيال…* عاشها و يحكيها : محمد ناني Mohammed Nani

0

*الحماداب الشجرة الحياة*

*الحماداب الشجرة، الحكاية هُنا ليست من نسج الخيال…*

 

عاشها و يحكيها : محمد ناني

Mohammed Nani

 

 

هذه الكلمات ليست وفاءً، لأن الوفاء يعني أنني أستطيع ردّ الجميل، بل محاولة توثيق.. لعلَّ الأجيال القادمة تعرف أن بين الخرطوم والموت، كانت هناك بقعة تُسمى “الحماداب”…

هذه كلمات خبّأتها في صدري لأكثر من عامين. خبأتُها لخوفي على أولئك الذين تقاسموا معنا القذائف والرصاص قبل الطعام، فخشيتُ أن أكتب عنهم فتُفتح عليهم أبواب جحيم جديدة… واليوم بعد أن زالَ الخطرُ عنهم أكتبُ ما علقَ في قلبي وساءَ ذكره ذلك الزمان، كلماتٌ في حق شعب حي “الحماداب الشجرة”، وأعلم أن الكلمات لن تفي، لكنها أقلّ ما يمكن أن يقال في قومٍ لم يخذلونا لحظة، ولم يمرّوا بنا مرور الغرباء…

عندما عُدت إلى الخرطوم لم تذهب بي قدماي إلى بيتي وهذا غريب.. فكُل من نجا من الحرب عادةً يركض إلى بيته وأهله، إلى فراشه، إلى الشوارع والوجوه التي عرفته وألِفتهُ. لكنني ذهبت إلى “الحماداب” أولاً، إلى تلك البيوت التي نام فيها الخوف جوار الكرامة، إلى الأبواب التي فُتحت بلا تردد، كأنها تعرفنا من حياةٍ سابقة رغم عدم المعرفة، ذهبتُ لهم أولاً كأنني أحاول سداد جزءٍ يسير من دَينٍ كبير، دَينٌ ثقيلٌ أرهق القلب قبل الخطوات…

قبل سنوات، شاهدتُ فيلماً يوغسلافياً اسمه “The Battle of Neretva”. كان عن قريةٍ صغيرة تصدّت لهجوم جيش هتلر الذي سحقَ دولاً دعك من قرية صغيرة. قرية انسحب إليها جيش زعيمهم “تيتو”، انتفض جميع أهلها، الشباب حملوا السلاح، النساء يُجهزن الطعام ويُداوينَ الجرحى، الشيوخُ بخبرتهم يرشدونهم إلى الدروب الآمنة، وفي النهاية انتصروا كما تنتصر على الشيطان بالآيات المباركة…
كنتُ أظنّ أن تلك مشاهد سينمائية، لم أكن أتخيل أنني سأعيش شيئاً يُشبهه حتى وقعت معارك سلاح المدرعات أواخر شهر أغسطس قبل عامين.. لا سيناريو، لا إخراج، لا شريط موسيقي، فقط دم، وغبار، و”الحماداب” وأهلها…

رغم قرب المسافة بين سكني وبينهم إلا أني أعترف بأني لم أكن أعرف هذا الحي ولا ساكنيه، لم أطف يوماً بشوارعه ولم أشم هواءه إلا عابراً وأنا راكبٌ المواصلات، فأتلفت يساري إلى زحام سوقهم وضجيج شوارعه.. ما بيننا يُمكن قطعه في دقائق، لكنّنا نحن سكان المدن أبرع الناس في العبور دون أن نلاحظ التفاصيل، نعرف الطُرق دون أن نعرف القلوب…

أيام الكلية وقبل التخرج كُنا نتفق ركاب بص الكلاكلة من دفعتي كل خميس بأن نلتقي غداً في فوال “الشجرة” الشهير، هذا الإتفاق كان يُجدد كل خميس، وإلى الآن لم تأتي هذه الجمعة التي نلتقي فيه…
كنت أحمل هماً أيام المواكب وتتريس الشوارع وأنا عائدٌ من عملي بجبل أولياء، هماً واحد كان يشغل بالي “ترس الحماداب”.. يمكن تفادي كل الشوارع المغلقة بسهولة إلا هذا الترس، فاضطر للنزول هنالك غاضباً وحانقاً منهم، وأكملُ المشوار إلى بيتي سيراً على الأقدام…

بعد قيام الحرب حملتنا الأقدار إلى سلاح المدرعات، وتوزعنا في كل القطاعات، إلى أن بقيتُ فترةً في إرتكاز مركز صحي “الشجرة”، فعرفنا أهل الحي من القُرب، يبدأ الأمر بتبادل السلام على مضض، ومع الزمن يزداد السلام حرارةً ثم تصبح هنالك إلفة ومعرفة، شربنا الشاي معهم، وأكلنا طعامهم…

إشتد الحصار فبدأ الناس بأعدادٍ قليلة بالخروج من مكانهم، يأتي فلان إلى الإرتكاز فيعطينا مفتاح منزله ويهمهم قائلاً:

“دة مفتاح بيتي، الدار داركم لو إحتجتوا حاجة”
ويأتي الذي يليه ثم الذي يليه، كمية ليست بالقليلة من مفاتيح المنازل صارت معنا. فندخل البيوت أحياناً لأخذ الراحة أو الإستحمام…

دخلتُ يوماً إلى أحد المنازل مع العريف “عبد الله” أو الرجل الصامت كما أحب أن أسميه.. أواني كثيرة يظهر أن صاحبة المنزل دفعت جزءاً غير يسير من ثروتها لأجلها، دولاب بابه مفتوح رُصَّت الملابس فيه بعناية بالغة، بقايا صور تذكارية متناثرة على الأرض، صور لزواجٍ قديم وبدايةُ قصة حُبهم، صورٌ لأطفالٍ تخرجوا من الروضة.. وكُراسة يبدو أنها لطفلة في الصف الأول تُحاول تعلم حرف السين الذي أرهقها وغلبها النُّعاس. رتَّبتُ الأغراض وكأنني أحاول إنقاذ ما يمكن من إنسانٍ لم أقابله، لكنه أصبح قريباً…
تخيل أن يعطيك أحدهم ذاكرته، ألبومات صور عائلية، رائحة أطفال، خطوات جدته على الأرض… كل ذلك، من أجل أن تستريح…

عندما اشتد الحصار كنا نتقاسم معاهم القذائف التي تسقط علينا كما نتقاسم الطعام، وعندما سقط سلاح المدرعات إجتمع الرجال الذين كانوا خليطاً من الجيش والقوات النظامية والمجاهدين ومستنفري الأشلاق وحي “الحماداب” الذين تدافعوا شيباً وشباباً لإستعادة سلاحهم وكرامتهم، وقفوا بلا شعارات، بلا صور فيسبوك، بلا سيلفي، وقفوا لأن أحداً يجب أن يقف ويدفع الثمن.. إستُشهدوا عند عتبات بيوتهم لا في أقصى حدود الدولة، وكان لهم ما أرادوا بعد أن قاتلوا دوناً عن أرضهم وعرضهم…

أُصبتُ مع إشتداد المعارك، حتى المستشفى الذي كُنا فيه قارب على السقوط فطالبنا الأطباءُ بإخلاء المشفى، رمى الضباط الأطباء مشارطهم وقفازاتهم وحملوا بنادقهم، خلعوا وجه الرحمة ولبسوا ثياب الشراسة… إخلاء سيراً على الأقدام ونحن لا نقوى على النهوض.. سرتُ تحت زخات الرصاص ووابلٌ من القذائف فوق رؤوسنا ومعي كل المصابين، لا شيء سوا أعمدة الدخان، لا شيء غير الرصاص وصفير الدانات وأصوات الدبابات…
رآني العريف “علي الحاج” لا أقوى على السير، فمشى بي حتى أطراف الحماداب. نزفتُ وتعبتُ… واستلقيتُ تحت شجرة قرب أحد البيوت، أوعى وأُغفو…

كان منزلاً عادياً لا شيء مميز فيه، لا أعرف من فيه ولا أعرف شيئاً، جاء بي أمامه غير القدر وطاقتي التي إستُنزفت.. طلبتُ منه أن يطرقُ بابه ويطلب منهم سجادةً أستلقي عليها وجرعةَ ماء لأموتَ بكرامة…
. “ما دام الموتُ قادماً لا محالة، فلنمت وحدنا بالخارج دون أن نجلب الشقاء لغيرنا”
هكذا فكرت…

ألمحُ جموعاً من الجنود والضباط ينسحبون من داخل السلاح فأسألهم عن الحال وكل واحد منهم يخبرني بأن مواجهته قد سقطت وجاءت تعليمات بالإنسحاب..
“من الذي أعطى التعليمات؟” أسالهم بصوتٍ لا يكاد يُسمع…
لا إجابة، الجميعُ لا إجابة عنده…

سقط السلاح، يطرق العريف الباب، أسمعُ صوته بعيداً بعيداً..
“معليش يا جماعة، دايرين جك موية، وفرشة لي جنابو دة يرقد فيها في الشارع، مضروب وما قادر يتحرك”
فأسمع الرد من الرجل :
“يرقد في الواطة كيف؟ علي بالدين تدخلو البيت”…

في لحظةٍ يهرب فيها الناس من أقرب الناس… فتح لنا هذا الرجل بابه، وهو يعلم ما قد تفعله به الميليشيا. يعلم أنه قد يدفع حياته.. لكنه قالها ببساطة، قالها كأنها أمر طبيعي، كأن الرصاص لا يهم، كأن الرجولة لم تتقاعد بعد…
حاولتُ الاعتراض، أردت أن أرفض، لكن التعب سبقني، خشيتُ عليهم أكثر من خشيتي على نفسي.. حُملتُ إلى داخل البيت كما يُحمل طفلٌ أنهكه البكاء…

ثُم سمعتُ أحد سكان الحي يصيح في الشارع: “المصابين ديل لملموهم في البيوت، إتقسموهم ودسوهم معاكم”

لقد تقاسمونا كما تتقاسم الأعمدة الخرسانية الأحمال الميتة والحية الواقعة عليها، كان هذا ما سمعته قبل أن تُغيير ملابسي وتُرمى في سطح المنزل، وآخر ما سمعته قبل أن أغيب، هو صوت بابٍ يُغلق عليّ لا ليحبسني، بل ليحميني.وجدتُ نفسي مستسلماً لإغماءة طويلة أو نومة عميقة لا أدرى…

لم يكن في الحي متاريس، لكن الجدران كانت أوفى من كل السواتر، كانت النسوة يفتحن الأبواب بلا سؤال، يدخلن الجرحى كما يُدخِل المؤمنون المصحف أول شيءٍ أثناء هطول المطر، يدخلونه لبركته لا لشيءٍ آخر…

لا أعلمُ كم غفوت لكن إستيقظتُ على صوت قذيفةٍ سقطت بالقرب منا.. إستيقظتُ ووجدت معي مصابان، المساعد “محمد عبد الله”، وإبن الحي الذي أصيب “ناصر”.. وجدتُ نفسي محاطاً برجالٍ ونساء تملؤ الشفقة عيونهم على الرغم من أنه لا معرفة بيننا.. علمت أنني في منزل العم “محمد صديق” و”علي عبد الحميد”.. كنا غرباء، لكن الشفقة كانت في العيون.. كانوا يعاملوننا كأبناء، البنات كأخوة، الزوجات كأمهات…
كانوا يعطوننا الطعام وهم جياع، يُعطوننا الأمل وهم يذبُلون، يمنحونا الحياةَ وهم يموتون…

خرجتُ حين شعرت أننا أصبحنا عبئاً، الطعام قليل والمياه أقل.. ذهبتُ إلى منزل “ناصر الكوارتي”، قرب الارتكاز القديم…
ناصر رجلٌ لا تموت ابتسامته، حتى في أحلك الظروف، وكذلك معه “معاذ الشيخ” و”وداعة”… كانوا يمازحونني وأنا على السرير، بنصف أمل ونصف وجع:
“الليلة قراصة بتقلية… تذكرك شغل الحاجة”…

عشرةُ أيامٍ قضيتها بعد أن أُصبت في بيوتِ الحماداب وأُخليتُ بعدها إلى السلاح الطبي.. أيامٌ لن تُمحى، أيامٌ تشبه الحلم، لكنها أكثر واقعية من كل ما عشته قبلها…

هؤلاء ناسٌ فدونا بأنفسهم وأعراضهم، لم يتركونا في عز الظروف تلك، كنت أقولُ لهم أن معرفتنا لن تنتهي هنا إذا مد الله في الآجال، سآتي زائراً لكم في وضعٍ أفضل…
هؤلاء لم يتركوا لنا مجالاً للانهيار.. فدونا بأنفسهم، ببيوتهم، بأعراضهم.. كنتُ أقول لهم دائماً:
“لو مدّ الله في الآجال… سآتيكم في زمنٍ أجمل.”

عندما عدتُ لم أذهب إلى منزلي، ذهبتُ إلى الحماداب أولاً. إلى حيث صار كل بيتٍ بيتي، ذهبتُ إلى الذين لولاهم لما كنت اليوم قادراً على كتابة هذه الحروف التي تقرأها…
ثم ذهبت إلى سلاح المدرعات، إلى تلك البقعة المباركة الممنوعة على كل عدو…

عدتُ ولم أجد العم محمد صديق، الذي لا يزال في الدويم. وجدتُ القليل فقط… فأخذت معهم صورة. صورة لا تليق بعظمة ما قدموه، لكنها محاولة توثيق صغيرة لذكرى لا تذبل…

في الصورة: علي عبد الحميد، وزوجته نسرين الشيخ، والعريف علي الحاج.

هذه الكلمات ليست إلا غيضاً من فيض الامتنان لأهل الحماداب، أردتُ كتابتها منذ سنتين، لكني كنت أخشى عليهم أن يؤخذوا بذنوب لم يرتكبوها…

أظن أن من هذا الحي يمكن أن تُكتب ألف رواية… وتُصوّر ألف ملحمة لا تقل عن الفيلم اليوغسلافي من بينِ تلك الأزقة المجهولة التي لا تحمل اسماً في الخرائط، لكنها محفورة في القلب.. سأشير إلى بيتٍ أعطاني مفتاحه رجل لم يعرف اسمي، وإلى سجادة صلّيتُ عليها وفي يدي دمٌ لا أعرف صاحبه…

#الحماداب_الشجرة_الحياة
#Mohammed_Nani

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.