خلف الأسوار* *سهيرعبدالرحيم* *مجهولان في الأرض*
*خلف الأسوار*
*سهيرعبدالرحيم*
*مجهولان في الأرض*


من المشاهد الموثّقة والخالدة في تحرير مدني، مشهدُ ملازم أول في القوات المسلحة،لا أعرف اسمه، ولا أعتقد أنه لفت انتباه أحدٍ؛ كان يحمل بندقيته بيده اليسرى، وفي يده اليمنى كانيولا (Cannula )، أو ما نسمّيها “فراشة الدِّرب”.
هذا الضابط لم يعتذر بالمرض، ولم يقل: “اتركوني أكمل المحلول الوريدي”، ولم يختبئ خلف أورنيكٍ طبي، ولم يتخلّف عن الواجب وأداء ضريبة الوطن، مثل أعراب غِفار ومُزّينة وجُهَينة وأَسْلَم وأَشْجَع والدّيل، الذين كانوا حول المدينة و تخلّفوا عن رسول الله – صلَّى الله عليه وسلم – حين أراد السفر إلى مكة عام الفتح، بعد أن كان قد استنفرهم ليخرجوا معه حذراً من قريش.
(سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَٰلُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ۚ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًۢا ۚ ) صدق الله العظيم.
هذا الضابط المغوار مجهول الاسم في الأرض وعند أجهزة الإعلام، لكنه معروف في السماء؛ لم يلتفت إليه أحد، ولكن وطنه والتاريخ سيظلان شاهدين على رجولته وإقدامه. لله درك ورفاقك يا بطل، لله درك من سيفٍ بتّار،.ووالله لن يُضام وطنٌنا وفيه امثالُك.
غير بعيدٍ من ضابط الكانيولا، لا يعرف كثيرون تعقيدات تحرير مجمّع الروّاد السكني والانفتاح شمالاً. كنت قريبة_ إلى حدّ ما_ من عددٍ من الضباط والقادة في الخطوط الأمامية، تابعت معهم لحظاتٍ كاد قلبي أن يتوقّف خوفاً عليهم من غدر الميليشيا التشادية وطابورها.
يا تُرى، من يُخبر الجنجويد أن رجالنا اقتلعوا ليس الخوف من أفئتدهم فحسب، بل خلعوا قلوبهم من صدورهم وزرعوا مكانها صخوراً من سجّيل يرفرف علمُ السودان عليها.
بتلك الصورة، وبذات الحماس والبسالة، اندفع ضابطان من هيئة العمليات بجهاز المخابرات العامة متقدّمَين الصفوف لتحرير مجمَع الروّاد من دنس المرتزقة التشاديين، فارتقت روحاهما فداءً للوطن، و تعبيداً لطريق سكان الروّاد ليعودوا إلى منازلهم.
الآن …البعض يسأل عن حال بيته وأثاثه ومتاع الدنيا، والشركة صاحبة المجمع تُعاين حجم الدمار وكيفية إعادته إلى سيرته الأولى. الجميع يُعاين تفاصيل الحياة الزائفة والخسائر المادية، ولكن خلف هذه الصورة التي سَعِد بها المواطنون الشرفاء، ارتقت روحا اثنين من أبطال هيئة العمليات .
نعم.. الشهيد عبد الرحيم، 28 عاماً؛ المُحاضر بكلية الهندسة، جامعة كرري، و الشهيد عبد العظيم، 38 عاماً، مفجّر الدبابة “صرصر” أمام مسجد الحرمين، والذي خاض كل معارك فك حصار المهندسين وتحرير الإذاعة، وكان أول من تقدّم الصفوف واقتحم مجمَع الروّاد.
خارج السور:
على إدارة مجمَع الروّاد تغيير اسم المجمّع باسْميْ هذين الشهيدين؛ فلولاهما_من بعد فضل الله_ لما كان هنالك مجّمع، ولا كان هنالك “روّاد” ، وإن استكثر بعض الخبثاء وأصحاب المرض، من المُخلَّفين الاسمَ فليعلموا أن عبد الرحيم وعبد العظيم لن يضيرهما شيء أن يكونا مجهولين في الأرض؛ لأنهما مشهوران و معلومان في السماء.
من الأرشيف كتب بتاريخ 24/1/2025
#سهير_عبدالرحيم
#السودان
#جيش_واحد_شعب_واحد
#الدعم־السريع־مليشا־ارهابية
