منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
*الزواج السوداني في المهجر: من إرث "تغطية القدَح" إلى سَعة الماعون*   (2-2)*  *خالد محمد أحمد* *الزواج السوداني في المهجر: من إرث "تغطية القدَح" إلى سَعة الماعون* ( 2 َ-1) *خالد محمد أحمد* أبوبكر الصديق محمد يكتب :  جبريل إبراهيم.. بين واقع الحرب وأمل الإصلاح ما عايزة دبدوب هدية  السودان والرياضة :  فرصة اقتصادية مؤجلة بقلم: ابوبكر الصديق محمد ألمانيا والسودان:  من البوندسليغا و تلي ماتش الي هندسة الفراغ السياسي بقلم: [أبوبكر الصديق محمد *حين تمشي البركة على أربع …* *إنتاج بسيط بعوائد كبيرة* *بقلم .ابوبكر الصديق محمد* البعد الاخر د. مصعب بريــر البعوض لا يقرأ البيانات الصحفية ..! *معهد بحوث ودراسات العالم الاسلامي  يعلن استئناف الدراسة لطلاب الدبلوم العالي دفعة (2022/2023)* *عميد كلية الطب والعلوم الصحية جامعة أم درمان الإسلامية يتفقد امتحانات الطلاب بمستشفي أم درمان التعل... *اكتمال أعمال شبكة الري الحديثة والزراعة وإعمار المنظر الطبيعي بقاعة الإمام مالك بجامعة أم درمان الإ...

*حين تمشي البركة على أربع …* *إنتاج بسيط بعوائد كبيرة* *بقلم .ابوبكر الصديق محمد*

0

*حين تمشي البركة على أربع …*

*إنتاج بسيط بعوائد كبيرة*

*بقلم .ابوبكر الصديق محمد*

في زمن تتزايد فيه تحديات المعيشة وارتفاع تكاليف الغذاء، تعود بعض القيم البسيطة في ظاهرها، العميقة في أثرها، لتطرح نفسها كحلول واقعية ومستدامة. ومن بين هذه القيم، يبرز الحديث النبوي الشريف: “الشاة بركة، والشاتان بركتان، والثلاث غنى”، كمنهج اقتصادي واجتماعي متكامل، لا يقتصر على البعد الروحي، بل يمتد ليؤسس لفكرة الاكتفاء الذاتي.
وقد وجّه النبي ﷺ أم هانئ – فاختة بنت أبي طالب رضي الله عنها  أخت سيدنا علي رضي الله عنه – بقوله: “اتخذي غنماً، فإنها تروح بخير وتغدو بخير، وفيها بركة”. ولم يكن هذا التوجيه مجرد حث عابر على اقتناء الغنم، بل يحمل رؤية عملية لإدارة الموارد وتحقيق التوازن بين الحاجة والإنتاج، خاصة في المجتمعات التي تعتمد على الزراعة والرعي مثل السودان …
في ذاكرة الخرطوم القديمة، وتحديدًا في منطقة بري، حيث كانت مباني كلية الشرطة قبل انتقالها إلى سوبا غرب، تُروى طرفة ذات دلالة؛ إذ كان أحد المدربين يخاطب المتدربين ساخرًا من ضعف انضباطهم في السير، قائلاً إن الأغنام في بري تسير في نظام أفضل، وإنه لو درّبها لكانت أكثر التزامًا.
لم تكن تلك مبالغة، بل انعكاسًا لواقع معاش؛ فقد كانت معظم البيوت تحتفظ بعدد من الأغنام، وكان الراعي يمر صباحًا ليجمعها ويعيدها مساءً. وعربات الكارو المحملة بالبرسيم تجوب الطرقات، واللبن ومشتقاته متوفرة، واللحوم في متناول اليد. كانت “البركة” حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.
ثم تغيّر المشهد؛ رحلت الأغنام، وحلت محلها أرضيات البلاط والسيراميك اللامعة، وفي مفارقة لافتة أن السيراميك كان من رأس الخيمة … ومع هذا التحول، غابت تلك البركة التي كانت “تمشي بين الناس”.
الغنم… اقتصاد يمشي على أربع
تمثل تربية الغنم واحدة من أبسط وأذكى أشكال الاستثمار الأسري؛ فهي لا تحتاج إلى رأس مال كبير ولا تقنيات معقدة، ومع ذلك تقدم عائدًا متنوعًا يشمل اللبن، واللحم، والصوف، والجلود، إلى جانب السماد الطبيعي.
وتكمن البركة في هذا التنوع؛ فالشاة الواحدة توفر الحد الأدنى من احتياجات الأسرة، والشاتان تضمنان استمرارية الإنتاج، أما الثلاث فهي بداية التحول من الاكتفاء إلى الفائض، أي إلى “الغنى” بمعناه العملي.
بين البركة والإنتاج ..
لا تقتصر قيمة الغنم على العائد المادي، بل تمتد إلى أبعاد سلوكية ونفسية؛ إذ ارتبطت في السنة بالسكينة والوقار،  وهي صفات تنعكس على من يعتني بها في مقابل ما ارتبط بالإبل من مظاهر الفخر والقسوة . كما أن نمط حياتها المنتظم يعزز قيمة “بركة الوقت”، بما ينعكس على الإنتاج والانضباط.
“غنماية لكل بيت”.. من فكرة إلى مشروع
في هذا السياق، تبرز مبادرة “غنماية لكل بيت” كفكرة عملية قابلة للتطبيق، خاصة في البيئات الريفية وشبه الحضرية. تقوم على تمكين الأسر من امتلاك عدد محدود من الغنم، بما يحقق لها الأمن الغذائي ويوفر مصدر دخل تدريجي.
وتستند هذه الفكرة إلى مزايا واضحة، أبرزها سرعة التكاثر، وقلة التكلفة، والقدرة على الاعتماد على الموارد الطبيعية، إلى جانب تعدد المنتجات.
فرص التصدير… بعد اقتصادي واعد ..
ولا تقف جدوى تربية الغنم والماعز عند حدود الاستهلاك المحلي، بل تمتد إلى آفاق أوسع، خاصة مع الطلب المرتفع في أسواق الخليج العربي على اللحوم الحلال. وتشير تقديرات سوقية إلى أن هذه الدول تستورد سنويًا ملايين الرؤوس من الضأن والماعز، في ظل محدودية إنتاجها المحلي.
هذا الواقع يفتح فرصة حقيقية أمام السودان، ليس فقط لتسويق الفائض، بل لبناء سلاسل إنتاج وامداد  منظمة تستهدف التصدير وفق معايير جودة معتمدة. ومع توفر المراعي الطبيعية والخبرة المتوارثة، يمكن لهذا المشروع أن يتحول إلى رافد اقتصادي مهم يرتبط بأسواق إقليمية ويحقق عوائد مجزية تسير
نحو اقتصاد اجتماعي مستدام
فيمكن أن تتحول تربية الغنم إلى ركيزة اقتصادية إذا ما تم دعمها بالتمويل الصغير، والإرشاد البيطري، والتنظيم التعاوني.
إن استدعاء تجربة بْري ليس حنينًا للماضي، بقدر ما هو بحث عن حلول عملية للمستقبل. فربما لا تبدو “غنماية واحدة” مشروعًا كبيرًا، لكنها في ميزان البركة والإدارة الذكية قد تكون بداية قصة غنى… تبدأ من بيت، وتمتد إلى وطن .

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.