منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
المدير التنفيذي لمحلية البحيرة يكرّم النابغة شهد بدر الدين.. الأولى على المحلية وضمن قائمة الشرف الو... بحث اللقاء سبل تعزيز التعاون.. وزير المالية والقوى العاملة بنهر النيل تلتقي وفد قوات الدفاع المدني ب... أفق ثقافي توفيق جعفر هل نجح عثمان البدوي في إنتاج عطيل وفق شروط المسرح البريطاني أم نجح في خلخلة هذه... البعد_الاخر مصعب بريــر تحت ركام العفو: كيف كَرّس الإفلات من العقاب مأساة السلطة في السودان؟ الحلقة ... البعد_الاخر مصعب بريــر تحت ركام العفو: كيف كَرّس الإفلات من العقاب مأساة السلطة في السودان؟ الحلقة ... البعد_الاخر مصعب بريــر تحت ركام العفو: كيف كَرّس الإفلات من العقاب مأساة السلطة في السودان؟ الحلقة ... أمواج ناعمة تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٥٣) د. ياسر محجوب الحسين وبرغم التوقع.. عبد المعز حسين مكابرابي  الهمس جهرٱ .. مثقفو بلادي.. هل تقاصرت القامات أم تطاولت أوجا... زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة حين تصبح الإساءة إلى الدين تحررًا أمواج ناعمة السودانيون والإجراءات السورية وحاجات تانية د. ياسر محجوب الحسين

*يا ليت إعلاميو بلادي يستدركون – من فخ الاستدراج إلى مستنقع العمالة* إدريس البغدادي

0

*يا ليت إعلاميو بلادي يستدركون – من فخ الاستدراج إلى مستنقع العمالة*

 

إدريس البغدادي

 

 

في الوقت الذي تخوض فيه البلاد معركة وجودية و مصيرية ، يبرز تساؤل حارق في أروقة الصالونات السياسية و المجالس الشعبية : هل ما زال الإعلام السوداني (سودانياً) في بوصلته و ولائه؟ إن نظرة فاحصة للمشهد تكشف أن سلب الإرادة الوطنية لم يتوقف عند عتبات الساسة و الأحزاب ، بل إمتدت العدوى لتضرب (صاحبة الجلالة) في مقتل . لقد تحول الوسط الصحفي ، بمؤسساته و كياناته النقابية ، إلى ساحة مفتوحة للإختراق الإستخباراتي الأجنبي ، حيث تُصنع النخب و تُباع الأجندات تحت غطاء (الإحترافية) و بهرج (الجوائز الدولية) .

*أحجية الجوائز .. لماذا يغيب الشجعان و يحضر المتناغمون؟*

المفارقة الصادمة تكمن في معايير الإستحقاق لدى المنظمات الأممية و الدولية . لماذا تنهال المنح و تتوالى الجوائز على أسماء بعينها ، بينما يتم تجاهل أقلام وطنية دفعت ثمن المهنة دماً و إعتقالاً و تشريداً في هذه الحرب؟
أين هذه المنظمات من معاناة مراسل قناة “الجزيرة” المعتقل في الفاشر لدى ميليشيا الدعم السريع؟ و أين هي من عشرات الصحفيين الذين أُذلوا في معتقلات الميليشيا بالخرطوم و مدن أخرى لأشهر طويلة؟

الإجابة مريرة لكنها كاشفة ، الجوائز في العرف الإستخباراتي لا تذهب لمن يعاني فعلياً ، بل لمن (يتناغم) مع الأجندة . لو كان هؤلاء الضحايا معتقلين لدى الجيش الوطني لضجت العواصم الغربية و لتسابقت المنظمات لتوشيحهم بأرفع الأوسمة . هذا الإنتقاء يثبت أن الجائزة ليست تقديراً مهنياً ، بل هي عملية (تأهيل مقاول) تماماً كما تُؤهل الشركات تجارياً ، يتم تأهيل النقابات و النشطاء دولياً لتكون تقاريرهم عن الحرب ذات (قيمة مضافة) للمؤسسات الأممية و هي تقارير مُعدة مسبقاً لتتوافق مع أهداف القوى الضالعة في هذه الحرب .

*فن الإصطياد .. كيف يتم إختراق “صاحبة الجلالة”؟*

لا يدخل ضابط المخابرات الأجنبي إلى المؤسسة الصحفية ببدلته الرسمية ، بل يدخل عبر بوابة “التمويل المشروط” و “ورش العمل” العابرة للحدود . هناك تتحول الفنادق الفاخرة إلى معامل لـ “فرز” المواهب القابلة للتشكيل . يتم بناء ولاء فكري طويل الأمد عبر السفر و الإمتيازات و الشعارات البراقة ، ثم تُسلط الأضواء على عناصر محددة عالمياً ، مما يمنحها حصانة أدبية و قانونية تجعل من نقد مرجعياتهم الغربية نوعاً من (الردة عن الحداثة) .

هنا تكتمل الدائرة ، الفكرة التي تريدها المخابرات الأجنبية يتبناها (صحفي حائز على جائزة) أو (نقابة معترف بها دولياً) ، فتتحول تلك الأجندة فجأة من “مؤامرة أجنبية” إلى “وجهة نظر وطنية مستقلة” . و لتدركوا حجم الكارثة ، أبحثوا في (تطابق المسارات) ، ستجدون تماهياً مريباً بين مسار تحالف القوى السياسية المرتهنة للخارج و مسار الكيانات الصحفية (المصنوعة) حيث اللغة الواحدة و البيانات المتطابقة و التواجد المشترك في عواصم الضغط الدولي و الإقليمي .

*تشريح الإختراق – إستراتيجية “الواجهات” و “الحصانة المسبقة”*

أجهزة المخابرات لا تؤسس جوائزها من الصفر دائماً ، بل تتبع استراتيجيات أكثر ذكاءً :

إختراق لجان التحكيم : زرع شخصيات (أكاديميين ، مدراء منظمات) يعملون على توجيه الجائزة لخدمة أجندة سياسية آنية أو مستقبلية .

التمويل عبر “الصناديق الدوارة” : تمر الأموال من أجهزة المخابرات إلى صناديق مانحة ، ثم إلى جمعيات حقوقية ، وصولاً إلى تمويل جائزة “مستقلة” ، لتكون الجائزة بمثابة “صك غفران” أو “حصانة دولية” لعميل محتمل .

التلميع المسبق : تقوم وسائل إعلام مرتبطة بتلك الأجهزة بتضخيم أعمال صحفي معين ، بحيث يبدو فوزه بالجائزة لاحقاً أمراً منطقياً و تلقائياً .

*من الذاكرة الاستخباراتية – منظمة “القلم” و “المؤتمر الثقافي”*

التاريخ يعيد نفسه .. ففي كتابها المرجعي “من الذي دفع للزمار؟” ، كشفت الباحثة البريطانية فرانسيس ستونر سوندرز كيف مولت الـ CIA عبر “منظمة مؤتمر الحرية الثقافية” (CCF) مراكز تابعة لـ نادي القلم الدولي (PEN) لمواجهة الخصوم السياسيين تحت لافتة “حرية التعبير” .
و فضيحة عام 1967 لم تكن سوى قمة جبل الجليد ، حيث تبين أن “مؤسسة فارفيلد” لم تكن إلا واجهة لضخ أموال المخابرات في عروق المؤسسات الثقافية و الصحفية . و اليوم إنتقل الأمر من التمويل السري إلى “التمويل الحكومي المعلن” (منح الخارجية الأمريكية و الأوروبية)، مما حول هذه المنظمات إلى أدوات فجة لـ “الدبلوماسية العامة” و الضغط السياسي .

*المؤسسات الأممية: هل هي فوق الشبهات؟*

الإجابة الصادمة هي “لا” . يتم توجيه الأنشطة الإعلامية للأمم المتحدة عبر :

فرض الخبراء : الدول المانحة الكبرى تفرض مستشارين في البرامج الإعلامية ، غالباً ما يكونون على صلة بأجهزة مخابرات بلدانهم .

برامج الفرز : تُصمم دورات “الصحافة الإستقصائية” لفرز العناصر التي يمكن أن تؤدي أدواراً قيادية مستقبلاً و تشكيل وعيهم بما يتوافق مع “الأجندة الغربية” .

الجوائز كذريعة للتدخل : تُمنح الجائزة لصحفي او نقابة في بلد “مستهدف” لإستخدامها لاحقاً كأداة ضغط على النظام السياسي إذا ما تعرض هذا الصحفي أو تلك النقابة للمساءلة القانونية .

*خاتمة – و إستدراك قبل فوات الأوان*

إن ما يحدث اليوم في الوسط الصحفي السوداني ليس مجرد (نشاط نقابي) ، بل هو في جوهره صناعة لـ “نقابات موازية” تُسحب من تحتها بساط الشرعية الوطنية لصالح شرعية دولية “مشبوهة” .
يا إعلاميو بلادي ، إن “الإستدراج” يبدأ بورشة عمل و ينتهي ببيان يطعن في خاصرة الوطن .. الجائزة التي لا ترى دماء زملائكم في الفاشر و الخرطوم ، هي جائزة “مسمومة” لا تهدف لتكريمكم ، بل لتأميم أقلامكم لصالح “الزمار” الذي دفع الثمن مسبقاً .

إدريس البغدادي
كاتب و باحث في الشؤون الإستراتيجية

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.