*يا ليت إعلاميو بلادي يستدركون – من فخ الاستدراج إلى مستنقع العمالة* إدريس البغدادي
*يا ليت إعلاميو بلادي يستدركون – من فخ الاستدراج إلى مستنقع العمالة*
إدريس البغدادي

في الوقت الذي تخوض فيه البلاد معركة وجودية و مصيرية ، يبرز تساؤل حارق في أروقة الصالونات السياسية و المجالس الشعبية : هل ما زال الإعلام السوداني (سودانياً) في بوصلته و ولائه؟ إن نظرة فاحصة للمشهد تكشف أن سلب الإرادة الوطنية لم يتوقف عند عتبات الساسة و الأحزاب ، بل إمتدت العدوى لتضرب (صاحبة الجلالة) في مقتل . لقد تحول الوسط الصحفي ، بمؤسساته و كياناته النقابية ، إلى ساحة مفتوحة للإختراق الإستخباراتي الأجنبي ، حيث تُصنع النخب و تُباع الأجندات تحت غطاء (الإحترافية) و بهرج (الجوائز الدولية) .
*أحجية الجوائز .. لماذا يغيب الشجعان و يحضر المتناغمون؟*
المفارقة الصادمة تكمن في معايير الإستحقاق لدى المنظمات الأممية و الدولية . لماذا تنهال المنح و تتوالى الجوائز على أسماء بعينها ، بينما يتم تجاهل أقلام وطنية دفعت ثمن المهنة دماً و إعتقالاً و تشريداً في هذه الحرب؟
أين هذه المنظمات من معاناة مراسل قناة “الجزيرة” المعتقل في الفاشر لدى ميليشيا الدعم السريع؟ و أين هي من عشرات الصحفيين الذين أُذلوا في معتقلات الميليشيا بالخرطوم و مدن أخرى لأشهر طويلة؟
الإجابة مريرة لكنها كاشفة ، الجوائز في العرف الإستخباراتي لا تذهب لمن يعاني فعلياً ، بل لمن (يتناغم) مع الأجندة . لو كان هؤلاء الضحايا معتقلين لدى الجيش الوطني لضجت العواصم الغربية و لتسابقت المنظمات لتوشيحهم بأرفع الأوسمة . هذا الإنتقاء يثبت أن الجائزة ليست تقديراً مهنياً ، بل هي عملية (تأهيل مقاول) تماماً كما تُؤهل الشركات تجارياً ، يتم تأهيل النقابات و النشطاء دولياً لتكون تقاريرهم عن الحرب ذات (قيمة مضافة) للمؤسسات الأممية و هي تقارير مُعدة مسبقاً لتتوافق مع أهداف القوى الضالعة في هذه الحرب .
*فن الإصطياد .. كيف يتم إختراق “صاحبة الجلالة”؟*
لا يدخل ضابط المخابرات الأجنبي إلى المؤسسة الصحفية ببدلته الرسمية ، بل يدخل عبر بوابة “التمويل المشروط” و “ورش العمل” العابرة للحدود . هناك تتحول الفنادق الفاخرة إلى معامل لـ “فرز” المواهب القابلة للتشكيل . يتم بناء ولاء فكري طويل الأمد عبر السفر و الإمتيازات و الشعارات البراقة ، ثم تُسلط الأضواء على عناصر محددة عالمياً ، مما يمنحها حصانة أدبية و قانونية تجعل من نقد مرجعياتهم الغربية نوعاً من (الردة عن الحداثة) .
هنا تكتمل الدائرة ، الفكرة التي تريدها المخابرات الأجنبية يتبناها (صحفي حائز على جائزة) أو (نقابة معترف بها دولياً) ، فتتحول تلك الأجندة فجأة من “مؤامرة أجنبية” إلى “وجهة نظر وطنية مستقلة” . و لتدركوا حجم الكارثة ، أبحثوا في (تطابق المسارات) ، ستجدون تماهياً مريباً بين مسار تحالف القوى السياسية المرتهنة للخارج و مسار الكيانات الصحفية (المصنوعة) حيث اللغة الواحدة و البيانات المتطابقة و التواجد المشترك في عواصم الضغط الدولي و الإقليمي .
*تشريح الإختراق – إستراتيجية “الواجهات” و “الحصانة المسبقة”*
أجهزة المخابرات لا تؤسس جوائزها من الصفر دائماً ، بل تتبع استراتيجيات أكثر ذكاءً :
إختراق لجان التحكيم : زرع شخصيات (أكاديميين ، مدراء منظمات) يعملون على توجيه الجائزة لخدمة أجندة سياسية آنية أو مستقبلية .
التمويل عبر “الصناديق الدوارة” : تمر الأموال من أجهزة المخابرات إلى صناديق مانحة ، ثم إلى جمعيات حقوقية ، وصولاً إلى تمويل جائزة “مستقلة” ، لتكون الجائزة بمثابة “صك غفران” أو “حصانة دولية” لعميل محتمل .
التلميع المسبق : تقوم وسائل إعلام مرتبطة بتلك الأجهزة بتضخيم أعمال صحفي معين ، بحيث يبدو فوزه بالجائزة لاحقاً أمراً منطقياً و تلقائياً .
*من الذاكرة الاستخباراتية – منظمة “القلم” و “المؤتمر الثقافي”*
التاريخ يعيد نفسه .. ففي كتابها المرجعي “من الذي دفع للزمار؟” ، كشفت الباحثة البريطانية فرانسيس ستونر سوندرز كيف مولت الـ CIA عبر “منظمة مؤتمر الحرية الثقافية” (CCF) مراكز تابعة لـ نادي القلم الدولي (PEN) لمواجهة الخصوم السياسيين تحت لافتة “حرية التعبير” .
و فضيحة عام 1967 لم تكن سوى قمة جبل الجليد ، حيث تبين أن “مؤسسة فارفيلد” لم تكن إلا واجهة لضخ أموال المخابرات في عروق المؤسسات الثقافية و الصحفية . و اليوم إنتقل الأمر من التمويل السري إلى “التمويل الحكومي المعلن” (منح الخارجية الأمريكية و الأوروبية)، مما حول هذه المنظمات إلى أدوات فجة لـ “الدبلوماسية العامة” و الضغط السياسي .
*المؤسسات الأممية: هل هي فوق الشبهات؟*
الإجابة الصادمة هي “لا” . يتم توجيه الأنشطة الإعلامية للأمم المتحدة عبر :
فرض الخبراء : الدول المانحة الكبرى تفرض مستشارين في البرامج الإعلامية ، غالباً ما يكونون على صلة بأجهزة مخابرات بلدانهم .
برامج الفرز : تُصمم دورات “الصحافة الإستقصائية” لفرز العناصر التي يمكن أن تؤدي أدواراً قيادية مستقبلاً و تشكيل وعيهم بما يتوافق مع “الأجندة الغربية” .
الجوائز كذريعة للتدخل : تُمنح الجائزة لصحفي او نقابة في بلد “مستهدف” لإستخدامها لاحقاً كأداة ضغط على النظام السياسي إذا ما تعرض هذا الصحفي أو تلك النقابة للمساءلة القانونية .
*خاتمة – و إستدراك قبل فوات الأوان*
إن ما يحدث اليوم في الوسط الصحفي السوداني ليس مجرد (نشاط نقابي) ، بل هو في جوهره صناعة لـ “نقابات موازية” تُسحب من تحتها بساط الشرعية الوطنية لصالح شرعية دولية “مشبوهة” .
يا إعلاميو بلادي ، إن “الإستدراج” يبدأ بورشة عمل و ينتهي ببيان يطعن في خاصرة الوطن .. الجائزة التي لا ترى دماء زملائكم في الفاشر و الخرطوم ، هي جائزة “مسمومة” لا تهدف لتكريمكم ، بل لتأميم أقلامكم لصالح “الزمار” الذي دفع الثمن مسبقاً .
إدريس البغدادي
كاتب و باحث في الشؤون الإستراتيجية
