قيد في دفتر الأحوال عثمان صديق البدوي يكتب :. مابين بكراوي وأونسة والقماري
قيد في دفتر الأحوال
عثمان صديق البدوي يكتب :.
مابين بكراوي وأونسة والقماري

لم تمض الستة أشهر على رحيل مُثرِي الأدب والفكر والثقافة في شندي ، الأستاذ الشاعر عبد الرحمن بكراوي ، إلّا وتشيئ الأقدار أن يلحقه رفيق دربه الذي طوّع رائعته “جيت أوادعِك يا قماري” ، لحناً وفنّاً، إبن نقزو وشندي وأم درمان والسودان ، الراحل مجذوب أونسة .
العجيب في الأمر ، أنّ الشاعر والفنّان عاشا في شندي وعشقا طبيعتها ، وفصّلاها شعراً ولحناً ، وتيقّنا تماماً أن الرحيل من هذه الفانية أمر محتوم ومكتوب ، فكانت الوصيّة الغالية على الديار ، والتراب ، والمزارع الذي “جرّحَن يدِّي الطواري !، ” ولم ينس بكراوي أن يكلِّم القماري وقت الهجير ، أن تبلِّغ الغيم والسحاب ليظلل ظهر ذاك المزارع الكادح ، “وتباريهو وتضاريهو” وهو ممسكٌ بمقبض المحراث تحت الشمس الحارة الحارقة !. ولا تنسي النيل يبقى عشرة على الزرع والبساتين والخدار ، والجروف ، وأن تحث الطير الخداري بألا ينقطع عن تلك الديار ، لأن بعودته في مواسم هجرته لشندي يفرح الصغير والكبير ، وأن تُصبِّر المشتاق ، بأن الرحيل ” ما باختيارو “! ، وأنّ الإنسان مسيّر ، غير مخيّر ، وكأنّهما ، يُعنيان ، ويَنعيان نفسَيْهما للعَيَان !!.
وما أغلاها وصية عن الوطن الذي عاش الشاعر والفنان فيه .. وفيه كم تحقق النصر ، وقد تحقق النصر ! ، يريد لهذا الوطن أن يبقى قوياً ، و” عالي وظاهر “…. ” زي نجم ضوّاي وساري ” نجمٌ لامعٌ ، يسري ليلاً … ما أبلغه من تعبير جميل ! ، ولم ينسى بكراوي التراب الغالي “الفيهو روحو” كم هو يعشقه ويشتاق إليه !.
من كل ذلك كانت الكلمات الرائعات والأغنية الحنينة المؤثِّرة ، التي عشقها كل أهل السودان ، لأنها نبعت من أصالة وتراث السودان ، وحب الأوطان ! :
جيت أوادعِك يا قماري , ما خلاص شدّيت رحالي
جيت أوصيك لمّا أرحل تبقي عشرة علي دياري
كل يوم تديها طلة وقوقي لي أمي وصغاري
والجميلة ألفي عيونا بهجة واشراقات حواري
والعزيز العاش مُكافح جرّحَن إيدِي الطواري
كلِّمي الغيم والسحاب في الهجير تبرَى وتضارِي
قولي لي النيل كلميهو يسقي بستاني وخداري
كلمي الجرف المخدِّر وكلمي الطير الخداري
وقولي لي المشتاق ورايا
الرحيل ما باختياري
الوطن العشت فيهو وليهو حققت انتصاري
دايرو يقوَى وعايزو يبقى زي نجم ضوّاي وساري
التراب الفيهو روحي , ليهو بشتاق أنا يا قماري
ياني يا نيل ليك راجع منك اشرب واطفي ناري
ياني يا نيل ليك راجع منك اشرب واطفي ناري
اللهم وعظمة هذه الأيام المباركات ، أن تنزل شآبيب رحمتك وعزائم مغفرتك على الراحلين بكراوي وأونسة ، وأن تباعد بينهما وبين خطاياهما ، كما باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم نقهما من الخطايا والذنوب كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس ، واغسلهما اللهم بالثلج والماء والبرد ، اللهم ابدلهما داراً خيراً من دارهما ، اللهم ادخلهما فسيح جناتك مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا
لكم حسن العزاء الأُسر والأهل ، وأهل شندي ونهر النيل والسودان قاطبة على هذا الفقد الجلل .
آخر القيود :
ألا تستحق أسرتا هذين الهرمين ، تصديق أرض إستثمارية في شندي التي كم عشقاها ، سيّما وعِلْمنا بحوجة وظرف الأسرتين المُتعفّفتين ؟!.
عثمان صديق البدوي
27مايو 2026
قيد رقم (660)
