منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

عندما يحاول الناشط أن يصبح مفكراً سياسياً

0

عندما يحاول الناشط أن يصبح مفكراً سياسياً

 

١. قرأت مقال الأستاذ بابكر فيصل الذي حمل عنوان “الحركة الإسلامية والعملية السياسية” أكثر من مرة، فوجدتني أمام نص ازدحمت فيه المحسنات الخطابية والاستدعاءات التاريخية والمقارنات الفكرية، حتى خُيّل للقارئ أنه يطالع بياناً صاغته لجنة من الخطباء لا مقالاً سياسياً يبحث عن إجابات. غير أن كل هذا الجهد البلاغي دار، كعادته، حول المارد الذي لا يغيب عن مخيلة خصومه: الحركة الإسلامية. ولذلك خرج المقال غنياً باللغة، وفقيراً في الإجابة عن السؤال الذي بُنيت عليه كل استنتاجاته.

٢. فالرجل ينطلق من نتيجة جاهزة مفادها أن الشعب السوداني رفض الحركة الإسلامية، ثم يقضي بقية المقال في محاولة إثبات ما افترضه مسبقاً. لكن إذا كان الشعب قد حسم أمره بالفعل، فلماذا يصبح إشراك الحركة الإسلامية في أي عملية سياسية خطراً يستوجب كل هذا الاستنفار؟

٣. وكالعادة، وأسوة بخطابات الرباعية والخماسية وما بينهما من أديس أبابا وسويسرا وأوسلو، غابت مفردة الانتخابات تماماً، رغم الحضور الكثيف لكلمات الديمقراطية والانتقال المدني التي لا يكاد يخلو منها سطر في المقال.

٤. وكأن الديمقراطية أصبحت هدفاً مطلوباً لذاته، أما صندوق الاقتراع فقد تحول إلى تفصيل مزعج ينبغي تجاوزه، أو ربما حُذفت المفردة نفسها من القاموس السياسي الجديد. فكيف يتحدث المرء عن الديمقراطية مطولاً، ثم يتجنب الوسيلة الوحيدة المعروفة لقياس الإرادة الشعبية؟

٥. ولأن الحجة وحدها لم تكن كافية، انتقل الكاتب إلى المقارنات التاريخية. فاستدعى جنوب أفريقيا مرة، وأوكرانيا مرة أخرى، ثم انتهى به المطاف عند هتلر والحزب النازي. وهي رحلة طويلة عبر القارات والتواريخ، لكنها لم تتوقف لحظة واحدة عند السودان نفسه.

٦. فجنوب أفريقيا لم تنجح لأنها استبعدت خصومها، بل لأنها توصلت إلى تسوية تاريخية شملت أطراف الصراع كافة. أما المثال الأوكراني الذي استشهد به الكاتب، فهو من أغرب الأمثلة الممكنة، لأن أوكرانيا نفسها ما تزال بعد أكثر من ثلاثة عقود من تفكك الاتحاد السوفيتي تعيش واحدة من أعقد الأزمات السياسية والعسكرية في العالم.

٧. وإذا كان المعيار هو تفكيك الأحزاب وإقصاؤها من الحياة العامة، فإن التجربة الأقرب إلى السودان ليست أوكرانيا، بل العراق. فقد جرى هناك حل حزب البعث وإبعاد عشرات الآلاف من مؤسسات الدولة تحت إشراف أمريكي كامل، وبموارد وإمكانات تفوق ما هو متاح للسودان بمراحل. فهل أنتج ذلك دولة مستقرة؟ أم فتح الباب لسنوات طويلة من الانهيار والفوضى والصراعات؟

٨. والمفارقة أن الخطاب الصادر عن هذا التيار لا يبدو منشغلاً كثيراً بتجاوز تبايناته الداخلية أو توحيد مكوناته السياسية، بقدر ما يبدو مشغولاً بإعادة هندسة المشهد السياسي كله، وكأن إصلاح الآخرين مهمة أسهل من ترتيب البيت من الداخل.

٩. وهنا نصل إلى جوهر الفكرة. فبابكر فيصل لا يكتب بصفته ممثلاً لتيار سياسي نجح في توحيد مكوناته، إذ إن المجموعات التي تحمل اسم الحزب الاتحادي نفسها ما تزال عاجزة عن الاندماج في كيان واحد، كما أن القوى التي تشاركه معارضة الدولة السودانية لم تستطع الاتفاق فيما بينها، وظهرت خلافاتها إلى العلن في أكثر من منبر واجتماع.

١٠. ولذلك لا يبدو الخطاب منشغلاً بالإجابة عن سؤال من يمثل الشعب بقدر انشغاله بتكرار رؤية ظلت تتردد في معظم المبادرات الخارجية، ومفادها أن المشكلة السودانية تبدأ بالحركة الإسلامية وتنتهي عندها. غير أن هذه الرؤية تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن استهداف وجود سياسي واجتماعي واسع تحت شعار التفكيك لا يقود عملياً إلى تفكيك حزب سياسي، بل إلى فتح الباب للتشكيك في مؤسسات الدولة نفسها وإعادة تشكيلها على أساس الاستقطاب السياسي.

١١. غير أن أصحاب هذا الطرح لا يقدمون إجابة واضحة عن السؤال الأكثر تعقيداً: كيف سيتم تحديد المنتمي للحركة الإسلامية من غير المنتمي إليها؟ فمؤسسات الدولة تضم مئات الآلاف من العاملين الذين التحقوا بها عبر عقود طويلة. فهل يصبح مجرد العمل في الجيش أو الشرطة أو القضاء أو الخدمة المدنية قرينة على الانتماء السياسي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن الحديث لم يعد عن تفكيك تنظيم سياسي، بل عن وضع مؤسسات الدولة كلها في قفص الاتهام.

١٢. ولذلك ظل مشروع إزالة التمكين، في صورته السياسية التي روجت لها بعض القوى، أقرب إلى مشروع استيطان سياسي داخل مؤسسات الدولة منه إلى مشروع إصلاح مؤسسي حقيقي. فهو لا ينظر إلى السودان باعتباره مجتمعاً حياً له تاريخه وتوازناته وقواه السياسية المختلفة، بل يتعامل معه وكأنه ورقة بيضاء يمكن إعادة رسمها وفق الرؤية التي يتبناها أصحابه.

١٣. ومن اللافت أن الكاتب يشكو من تباطؤ الرباعية الدولية، ثم يعلق آماله على الخماسية الجديدة، دون أن يتوقف كثيراً عند أسباب تعثر المبادرات السابقة. والحقيقة أن المشكلة لم تكن في عدد الوسطاء، بل في المنهج نفسه.

١٤. فمنذ سنوات يجري التعامل مع الأزمة السودانية عبر محاولة فرض رؤية أحادية على مجتمع متعدد، وإعادة هندسة الحياة السياسية وفق تصورات مجموعة محدودة من القوى التي تنصب نفسها متحدثاً باسم الشعب، ثم تكتشف في كل مرة أن الواقع السوداني أكثر تعقيداً من مخططاتها.

١٥. ولذلك فشلت المبادرات السابقة، وقد يفشل ما بعدها أيضاً، ما دامت تنطلق من سؤال: كيف نستبعد هذا الطرف أو ذاك؟ بدلاً من السؤال الأهم: كيف نحتكم جميعاً إلى إرادة السودانيين؟

١٦. إن المشكلة الحقيقية في مقال بابكر فيصل ليست موقفه من الحركة الإسلامية، فذلك حقه السياسي الكامل، وإنما أنه يريد من القارئ أن يصدق في الوقت نفسه أن الشعب قال كلمته، وأن هذه الكلمة لا يجوز اختبارها عبر الانتخابات.

١٧. ولهذا بدا المقال كله وكأنه محاولة طويلة للوصول إلى نتيجة قصيرة: الديمقراطية مطلوبة، بشرط أن تكون نتائجها معروفة مسبقاً.

 

تحياتي

الفاتح الشيخ

١٦/يونيو /٢٠٢٦

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.