منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

طفولة قحت  وحلاوة ماما أمريكا

0

طفولة قحت

وحلاوة ماما أمريكا

 

١. ما إن بدأت مناقشات الكونغرس الأمريكي حول السودان حتى ارتفعت موجة من الفرح والاحتفاء وسط دوائر الحرية والتغيير وحلفائها، وكأن أبواب الحل قد فُتحت أخيراً. ولو أن مراقباً من خارج المشهد تابع حجم الحماس المصاحب للجلسات لظن أن الانتخابات الأمريكية قد جرت في الخرطوم، أو أن الكونغرس أصبح إحدى مؤسسات الحكم السوداني.

٢. ومبعث هذه الفرحة، على ما يبدو، أن المسودة الأولية لتلك النقاشات كانت تتضمن إشارات إلى عدم الاعتراف بشرعية الحكومة، وتوسيع حظر السلاح، والتطرق إلى ملف الحركة الإسلامية، قبل أن تُعدَّل لاحقاً وتُستبعد كثير من تلك البنود. ومع ذلك استمر الاحتفاء وكأن النتائج النهائية قد حُسمت مسبقاً.

٣. وقد صاحب هذه الفرحة خلال الأيام الماضية خطاب قائم على افتراض أن الكونغرس في طريقه لتبني رؤية تتسق مع مشروع الإقصاء، الأمر الذي أوقع أصحابه في تناقضات يصعب تجاهلها، حيث غلبت قراءة الاصطفافات المسبقة على حساب قراءة الوقائع الفعلية.

٤. فقد عاشت قحت حالة من اليقين بأن مشروع الإقصاء هو الطريق الوحيد، حتى بدا أن أي صوت يدعو إلى خلاف ذلك يُعامل باعتباره خروجاً عن الصف، ولو جاء من أحد منسوبيها. وقد ظهر ذلك في الجدل الذي أثاره مقال الدكتور عزام عبدالله الداعي إلى إشراك جميع القوى السياسية في أي عملية سلام. فالرجل ظل طوال سنوات من أبرز خصوم الحركة الإسلامية، لكن مجرد دعوته لعدم الإقصاء اتهمه كثيرون، وعلى رأسهم فيصل محمد صالح، بأنه أصبح أقرب إلى الإسلاميين.

٥. وفي تعليقه على قضية المتهم الصومالي في أيرلندا، سارع مبارك الفاضل إلى الربط بين الرجل والجواز السوداني بادعاء أنه حصل عليه في عهد الإنقاذ، واعتبر ذلك تفسيراً كافياً لإدانة الإنقاذ.

٦. غير أن السؤال الذي يتجاوز هذا الطرح هو: هل تكمن الإشكالية في الجواز ذاته، أم في بيئات صناعة مثل هذه الظواهر التي تشكلت عبر تداخلات إقليمية ودولية معقدة، لعبت فيها أجهزة استخبارات عالمية أدواراً موثقة ومعلومة؟

٧. وإذا كانت تلك الأجهزة قادرة على إدارة عمليات عابرة للحدود بهذا المستوى من التعقيد، فهل يعجزها الحصول على وثائق أو هويات متى ما أرادت ذلك؟

٨. وفي السياق نفسه، تبدو فرحة مبارك أردول بالحديث عن تشكيل حكومة مدنية خلال ستة أشهر كمن يفرح بهدف قبل أن يكتشف أن الكرة اصطدمت بالعارضة.

٩. الحكومة لا تُصنع بالرغبات ولا تُعلن بالأمنيات، بل تحتاج إلى انتخابات تمنحها الشرعية أو اتفاق سياسي شامل أو سلطة واقعية قائمة. فمن الذي يملك حق إعلان هذه الحكومة ومنحها الشرعية إذا لم يكن الشعب السوداني نفسه؟

١٠. إن أي تعويل على هذه المداولات الخارجية يظل خارج إطار التفويض الشعبي السوداني، فالشعب السوداني لم يفوض الكونغرس الأمريكي ولا أي جهة خارجية لتحديد من يحكمه ومن يعارضه.

١١. أما الرهان على قوات دولية لحسم الأزمة السودانية، فإن تجارب هذه القوات في العالم في أكثر من ساحة عجزت عن حماية نفسها، فكيف بحماية المدنيين الذين جاءت لحمايتهم، والسودان ليس بعيداً عن هذه النماذج.

١٢. وإذا كان المقصود تدخلاً عسكرياً خارجياً، فالسودان الآن يعيش فعلاً آثار تدخلات خارجية متعددة ومتشابكة. فما الجديد الذي سيضيفه تدخل إضافي؟

١٣. أما إذا كان الحديث عن تدخل أمريكي مباشر أو غير مباشر، فذلك باب آخر، لأن تجارب الشعوب مع القوى الكبرى لا تزال ماثلة أمام الجميع.

١٤. ولعل من المفارقات اللافتة هذه الأيام أن الولايات المتحدة منعت حكماً صومالياً من دخول أراضيها للمشاركة ضمن فعاليات مرتبطة ببطولة كأس العالم، وهو ما يعيد إلى الذاكرة الصورة الذهنية الراسخة للتجربة الأمريكية في الصومال.

١٥. وهذه ليست حالة معزولة، فالتجارب الممتدة من فيتنام إلى أفغانستان مروراً بالصومال تؤكد أن القوى الكبرى، رغم ما تمتلكه من أدوات وإمكانات، لم تستطع أن تصنع شرعية مستقرة لحلفائها. فالدعم الخارجي قد يمنح نفوذاً مؤقتاً، لكنه لا يصنع شرعية دائمة ولا يبني استقراراً مستداماً.

١٦. والخلاصة أن من يثق في شعبيته لا يخشى الانتخابات، ومن يثق في مشروعه لا يحتاج إلى إقصاء خصومه، ومن يثق في شعبه لا يجعل رهانه الأول على الخارج.

 

تحياتي

الفاتح الشيخ

١١/يونيو/٢٠٢٦

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.