منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

*الشرطة المجتمعية بين النظرية والتطبيق* ✍️ : _فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد_ _السبت 26 محرم 1448هـ | 11 يوليو 2026م_

0

 

*الشرطة المجتمعية بين النظرية والتطبيق*

✍️ : _فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد_
_السبت 26 محرم 1448هـ | 11 يوليو 2026م_


لم يعد الأمن في العصر الحديث مسؤولية أجهزة الشرطة وحدها، بل أصبح مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، تقوم على التعاون والثقة والوقاية من الجريمة قبل وقوعها، ومن هنا ظهرت فلسفة الشرطة المجتمعية التي تمثل تحولًا من التعامل مع الجريمة بعد حدوثها إلى فهم أسبابها ومعالجة جذورها بالشراكة مع المجتمع.

ورغم حداثة مصطلح الشرطة المجتمعية في الفكر الأمني المعاصر، فإن جوهره يتوافق مع مبادئ إسلامية أصيلة، فقد جعل الإسلام إصلاح المجتمع وحمايته مسؤولية جماعية، قال الله تعالى:
{ _كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}: آل عمران: الآية (110)._

تبين الآية الكريمة أن خيرية الأمة مرتبطة بدورها في الإصلاح، ونشر المعروف، ومقاومة الفساد، وحماية القيم التي يقوم عليها المجتمع الآمن. فالأمر بالمعروف يشمل كل ما يعزز الاستقرار؛ من احترام القانون، والمحافظة على الحقوق العامة، والتعاون في تحقيق المصلحة المشتركة، كما أن النهي عن المنكر يشمل الوقاية من الجريمة ومعالجة أسبابها بالحكمة والعمل المؤسسي.

وهذا هو جوهر الشرطة المجتمعية؛ فهي لا تنظر إلى المواطن باعتباره متلقيًا للخدمة الأمنية فقط، بل شريكًا أساسيًا في صناعة الأمن، من خلال التعاون مع الشرطة، والإسهام في حل المشكلات، والمشاركة في الوقاية من الظواهر السلبية التي تهدد سلامة المجتمع.

وقد أكدت الدراسات الحديثة في علم الجريمة أهمية هذا الاتجاه، ويُعد الباحث الأمريكي _ديفيد ويسبورد (David Weisburd_ ) من أبرز علماء الجريمة المعاصرين الذين أسهموا في تطوير الفكر الأمني الحديث، خاصة في مجالات الشرطة القائمة على الأدلة ( _Evidence-Based Policing) وتحليل أماكن الجريمة والوقاية منها_ . وتشير أبحاثه إلى أن نجاح العمل الشرطي لا يقاس فقط بعدد الجرائم التي يتم ضبطها، وإنما بقدرة الشرطة على فهم أسباب الجريمة، وتوجيه جهودها نحو الوقاية منها، وبناء الثقة مع المجتمع.

وقد قدمت التجارب العالمية نماذج ناجحة في تطبيق الشرطة المجتمعية؛ ففي اليابان يعتمد نظام الكوبان ( *Koban* ) على وجود الشرطة بالقرب من المواطنين، والتواصل المستمر معهم، ومعرفة مشكلاتهم قبل تحولها إلى جرائم. *كما أثبتت تجارب كندا وأستراليا والمملكة المتحدة أن الشراكة بين الشرطة* والمجتمع تسهم في تعزيز الأمن، ورفع مستوى الثقة، وتحسين جودة الحياة.

وتؤكد هذه التجارب أن الأمن المستدام لا يتحقق بالقوة والإجراءات القانونية وحدها، وإنما ببناء مجتمع واعٍ يتعاون مع مؤسسات الدولة في الوقاية والإصلاح، وهو ما يلتقي مع المنهج الإسلامي الذي جعل حماية المجتمع مسؤولية مشتركة.
وفي السودان، وفي ظل الحاجة إلى إعادة بناء المجتمع وتعزيز الاستقرار، تمثل الشرطة المجتمعية أحد المسارات المهمة لاستعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، من خلال إشراك الأسرة، والمدرسة، والإدارة الأهلية، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني في نشر ثقافة الأمن والمسؤولية المشتركة.

_إن الشرطة المجتمعية ليست مجرد برنامج أمني، بل هي فلسفة تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل، وتجمع بين القيم الإنسانية الراسخة وأحدث النظريات الأمنية الحديثة. فالمجتمع الآمن لا تصنعه الشرطة وحدها، وإنما يصنعه تعاون الجميع، عندما يصبح الأمن ثقافة وسلوكًا ومسؤولية مشتركة.

_والله ولي التوفيق__

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.