الجمعيات التعاونية… هل تعود لإنقاذ الاقتصاد السوداني؟ بقلم: المستشار عبدالكريم جعفر الحسن خبير في المشاريع التنموية
*الجمعيات التعاونية… هل تعود لإنقاذ الاقتصاد السوداني؟*
*بقلم: المستشار عبدالكريم جعفر الحسن*
*خبير في المشاريع التنموية*
11 يوليو 2026م

في كل دول العالم التي نجحت في بناء اقتصاد قوي ومستقر، كانت الحركة التعاونية أحد أهم أعمدة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ولم تكن الجمعيات التعاونية مجرد كيانات لتوزيع الأرباح، بل مؤسسات تبني الإنسان، وتدعم الإنتاج، وتخفض تكاليف المعيشة، وتخلق فرص العمل، وتعزز قيم التكافل والمسؤولية المجتمعية.
أما في السودان، فإن الحاجة إلى إحياء الحركة التعاونية اليوم أصبحت أكبر من أي وقت مضى. فبلادنا تعيش أوضاعًا اقتصادية بالغة التعقيد، اتسمت خلال السنوات الماضية بعدم الاستقرار، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع الإنتاج، وغياب الرؤية الاقتصادية الواضحة. وفي الوقت نفسه، انصبت السياسات الحكومية على تعظيم الإيرادات عبر الضرائب والرسوم، بينما تراجع الاهتمام بدعم الإنتاج والمنتجين، وتوفير البيئة المناسبة للاستثمار والعمل التعاوني.
وسط هذا الواقع، ظهرت العديد من الجمعيات التعاونية الزراعية والحيوانيةوالاستهلاكية ومتعددة الأغراض، يقودها رجال ونساء آمنوا بقيمة التعاون، واستطاع بعضهم تحقيق نجاحات ملموسة وخدمة مجتمعاتهم. لكن المؤسف أن كثيرًا من تلك التجارب لم تستطع الصمود طويلًا، ليس بسبب ضعف الفكرة، وإنما بسبب البيئة التي تعمل فيها.
لقد واجهت التعاونيات تحديات اقتصادية وإدارية وتشريعية كبيرة، إلا أن جزءًا من المشكلة يعود أيضًا إلى ثقافتنا المجتمعية، التي تحتاج إلى مراجعة إذا أردنا بناء مؤسسات ناجحة ومستدامة.
*ومن أبرز أسباب تعثر العديد من الجمعيات التعاونية*:
* التوقعات غير الواقعية بتحقيق أرباح سريعة وتوزيعها، بينما تحتاج التعاونيات في بداياتها إلى تكوين أصولها وتعزيز قدراتها المالية.
* ضعف ثقافة العمل الجماعي، وصعوبة تقبل الرأي الآخر.
* إقحام الخلافات السياسية أو الجهوية داخل الجمعيات، مما يحولها من مؤسسات إنتاج إلى ساحات صراع.
* تأثر العلاقات الاجتماعية باختلاف وجهات النظر، وهو ما يضعف روح الفريق.
* انتشار الأمية وضعف الوعي بالمبادئ التعاونية.
* الفساد الإداري والمالي وغياب الشفافية والمحاسبة.
* ضعف التمويل وغياب المؤسسات المالية المتخصصة في دعم التعاونيات.
* صعوبة الحصول على الأراضي والمقار اللازمة لممارسة الأنشطة.
* ضعف التأهيل الإداري لمجالس الإدارات والإدارات التنفيذية.
* غياب الإعلام التوعوي الذي يرسخ ثقافة العمل التعاوني.
*ومع ذلك، فإن هذه التحديات لا تعني نهاية الفكرة، بل تؤكد الحاجة إلى إعادة بنائها على أسس أكثر قوة واستدامة*.
إن نهضة الحركة التعاونية في السودان تحتاج إلى مشروع وطني متكامل، يبدأ بإصدار تشريعات حديثة تحمي استقلالية التعاونيات، وتقديم إعفاءات ضريبية ورسومية، وإنشاء صندوق وطني للتمويل التعاوني، وتخصيص أراضٍ ومقار مناسبة، وتأهيل القيادات التعاونية، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وربط التعاونيات بالأسواق المحلية والإقليمية، والاستفادة من التقنيات الحديثة في الإدارة والتسويق.
كما أن الجامعات، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، يقع على عاتقها دور كبير في نشر الثقافة التعاونية، حتى تصبح ثقافة راسخة تقوم على الشراكة والثقة والعمل الجماعي، لا على المصالح الفردية الضيقة ،لقد أثبتت التجارب العالمية أن التعاونيات كانت أحد مفاتيح النهضة الزراعية والصناعية في دول كثيرة، وأسهمت في تحسين دخول المنتجين، وتحقيق الأمن الغذائي، واستقرار المجتمعات الريفية. والسودان، بما يملكه من أراضٍ زراعية شاسعة، وثروة حيوانية ضخمة، وموارد بشرية قادرة، أولى من غيره بأن يجعل من التعاونيات ركيزة للتنمية.
إننا بحاجة إلى الانتقال من اقتصاد الجبايات إلى اقتصاد الإنتاج، ومن ثقافة المنافسة الفردية إلى ثقافة الشراكة، ومن الحلول المؤقتة إلى بناء مؤسسات قوية ومستدامة.
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: هل نحتاج إلى الجمعيات التعاونية؟ بل: هل يستطيع السودان أن ينهض اقتصاديًا من دون حركة تعاونية قوية وفاعلة؟
أعتقد أن الإجابة واضحة… وأن المستقبل سيكون أكثر إشراقًا كلما منحنا التعاون مكانته التي يستحقها في بناء وطننا.
– “لن ينهض السودان بكثرة الموارد وحدها، وإنما ينهض عندما تتحول الثقة إلى شراكة، والشراكة إلى إنتاج، والإنتاج إلى تنمية مستدامة.
– “إن الأمم لا تُبنى بالموارد وحدها، وإنما تُبنى عندما تتحول الثقة والتعاون إلى ثقافة، والإنتاج إلى قيمة، والعمل الجماعي إلى منهج حياة.
