حين يكون القلم كلمة وفاءوتقدير للدكتور سامي الدين محمد بقلم: أبوعبيدة أحمد علي رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية – مجلس الصداقة الشعبية العالمية ورئيس مبادرة التكامل الشعبي بين السودان ومصر
حين يكون القلم
كلمة وفاءوتقدير للدكتور سامي الدين محمد
بقلم: أبوعبيدة أحمد علي رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية – مجلس الصداقة الشعبية العالمية
ورئيس مبادرة التكامل الشعبي بين السودان ومصر

في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات، وتختلط فيه الحقائق بالأهواء، يبقى للكلمة الصادقة سلطانٌ لا يزول، وللقلم الأمين رسالةٌ لا تنطفئ، ولأصحاب الضمائر الحية مكانةٌ لا يبلغها إلا الذين جعلوا من الفكر عبادة، ومن الوطنية خلقاً، ومن خدمة الإنسان رسالة حياة.
ولقد وقفت ملياً أمام المقال العميق الذي سطّره الدكتور سامي الدين محمد سعيد بعنوان: “الآثار الاجتماعية للحرب… السلاح الموجَّه لقلب المجتمع”، فوجدت نفسي أمام عقلٍ يقرأ المستقبل قبل أن يقع، وقلبٍ يخفق بحب السودان، وقلمٍ لا يكتب طلباً لثناءٍ أو شهرة، وإنما يؤدي أمانة الكلمة كما يؤدي المؤمن رسالته.
ليس كل من يكتب يُصلح، وليس كل من يتحدث يُبصر، ولكن هناك رجالاً إذا كتبوا أناروا العقول، وإذا نبهوا أيقظوا الضمائر، وإذا شخصوا الداء دلّوا على الدواء. والدكتور سامي الدين، في تقديري، واحد من هؤلاء الذين وهبوا علمهم وخبرتهم لوطنهم، فلم يجعلوا المعرفة زينةً للمجالس، وإنما جعلوها مشروعاً لإحياء الإنسان وبناء المجتمع.
ولم يكن هذا المقال إلا صفحةً جديدة من سجلٍ طويل حافل بالعطاء، فقد ظل الرجل، عبر عشرات المقالات والدراسات والرؤى، يحمل همّ السودان في فكره، ويجعل من الإصلاح الاجتماعي وبناء الدولة الحديثة محوراً لرسالته، مؤمناً بأن الأمم لا تُبنى بالحجارة والإسمنت وحدهما، وإنما تُبنى أولاً بالعقول، والقيم، والوعي، والإنسان.
وقد شهد له القريب والبعيد بما أنجزه حين تولى قيادة مؤسسة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، حيث انتقل بفكرة التنمية من دائرة الشعارات إلى ميدان العمل، فمكّن آلاف الأسر من وسائل الإنتاج، وأعاد إليها كرامة الكسب الشريف، حتى خرج كثير منها من ربقة الفقر إلى رحاب الإنتاج والاكتفاء، بل وأصبحت نماذج مضيئة في الاعتماد على الذات. وذلك هو جوهر التنمية الحقيقية التي تصنع الإنسان قبل أن تصنع الأرقام.
إن الأوطان الخارجة من أتون الحروب لا تحتاج إلى إعادة بناء الجسور والمصانع فحسب، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء الإنسان، وإحياء منظومة القيم، وترميم الوعي الجمعي، وصناعة الأمل في النفوس. وهذه المهمة العظيمة لا ينهض بها إلا أصحاب الفكر النير، والخبرة الصادقة، والإخلاص المجرد، من أمثال الدكتور سامي الدين محمد سعيد.
ومن هنا، فإنني أدعو مؤسسات الدولة، وهي تستعد لمرحلة البناء والإعمار، إلى أن تجعل من الكفاءات الوطنية المخلصة ركيزةً لمشروعاتها المستقبلية، فالأمم التي تهمل علماءها ومفكريها إنما تؤخر نهضتها بأيديها، أما الأمم التي تستثمر في عقول أبنائها فإنها تختصر الطريق إلى المجد.
إن السودان لا تنقصه الموارد، ولا يعوزه التاريخ، ولا يفتقر إلى الرجال، وإنما يحتاج إلى أن يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وأن يفتح أبواب المسؤولية لكل صاحب علمٍ وتجربةٍ ونزاهة، بعيداً عن الأهواء والمجاملات.
ولئن كان لي أن أتمنى، فإنني أتمنى أن يمتلئ وطننا بمئات الرجال من طراز الدكتور سامي الدين محمد سعيد؛ رجالٍ إذا اختلف الناس جمعوهم، وإذا ضعفت الهمم أحيوها، وإذا اشتدت الأزمات ثبتوا، وإذا تحدثوا كان حديثهم علماً، وإذا عملوا كان عملهم إخلاصاً، وإذا كتبوا كانت كلماتهم لبناتٍ في صرح الوطن.
تحية تقدير وإجلال لهذا العالم الوطني الغيور، ولكل قلمٍ شريفٍ جعل من السودان قضيته الأولى، ومن الإنسان رسالته الكبرى، ومن الإصلاح منهجاً لا يحيد عنه.
نسأل الله أن يحفظ الدكتور سامي الدين محمد سعيد، وأن يبارك في علمه وعمله، وأن يمده بالصحة والعافية، وأن يجعل جهوده في ميزان حسناته، وأن يسدد خطاه إلى كل خير، وأن يهيئ لوطننا رجالاً ونساءً يحملون ذات الروح، ونفس القدر من الإخلاص، حتى ينهض السودان من جديد، عزيزاً موحداً، شامخاً بأهله، قوياً بعلمه، عظيماً بقيمه، مزدهراً بسواعد أبنائه المخلصين.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
