منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
حياء الحركة التعاونية في السودان (2) التعاونيات الزراعية... من الحقل إلى السوق دروس من تجربة الفلبين... حين يكون القلم  كلمة وفاءوتقدير للدكتور سامي الدين محمد  بقلم: أبوعبيدة أحمد علي رئيس جمعية الأخوة... بعد ما لبَّنَت... أدوها للطير!*   _بين الدعوات إلى الهدنة وحسابات الميدان  ✍️ _فريق شرطة حقوقي محمو... وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي المحكمة الدستورية... بداية الطريق مجتمعنا بشفافية د سامي الدين محمد سعيد يكتب ابعدوا عن معلومات الجيش _الشرطة المجتمعية والشباب... من الوقاية إلى القيادة_ _✍️: فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد_ _الاثني... خبر وتحليل | عمار العركي الأمير الوالد... رحيل الرجل وبقاء النهج ⭕ *من الهامش* ✍️ بشرى بشير مستشفى الشيخ طلحه بمحلية شرق سنار ...حكاية جهد شعبي في فترة الحرب . من الهامش* ✍️ بشرى بشير رساله من مواطني سالمه بمحلية شرق سنار لوزارة الصحة لتقصي أسباب الزائدة ال... *الشرطة المجتمعية بين النظرية والتطبيق* ✍️ : _فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد_ _السبت 26 محرم 1448ه...

حياء الحركة التعاونية في السودان (2) التعاونيات الزراعية… من الحقل إلى السوق دروس من تجربة الفلبين بقلم: المستشار عبدالكريم جعفر الحسن 14 يوليو 2026م

0

إحياء الحركة التعاونية في السودان (2)
التعاونيات الزراعية… من الحقل إلى السوق
دروس من تجربة الفلبين

بقلم: المستشار عبدالكريم جعفر الحسن
14 يوليو 2026م

بعد أن تناولنا في المقال الأول أهمية الحركة التعاونية ودورها في معالجة كثير من الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، ننتقل اليوم إلى محور أكثر عملية، وهو دور التعاونيات الزراعية في بناء اقتصاد منتج وتحقيق الأمن الغذائي.

لقد ظل المنتج السوداني، لعقود طويلة، يعمل منفردًا، يواجه وحده تحديات شراء التقاوي والأسمدة، وتوفير التمويل، ومكافحة الآفات، ثم يدخل بعد ذلك في معركة أخرى مع الوسطاء والتجار لتسويق إنتاجه. وفي كثير من الأحيان يكون الطرف الأضعف في جميع مراحل العملية الإنتاجية، فيتحمل المخاطر، بينما يذهب الجزء الأكبر من العائد إلى غير المنتج الحقيقي.

إن هذه المعادلة غير العادلة هي التي دفعت كثيرًا من دول العالم إلى بناء جمعيات تعاونية زراعية قوية، جعلت من المنتج شريكًا في منظومة اقتصادية متكاملة، تبدأ قبل الزراعة، ولا تنتهي إلا بعد وصول المنتج إلى المستهلك.

من دفتر الرحلات
الفلبين… عندما تعمل الجمعية بدلًا من السمسار

خلال إحدى زياراتي لجمهورية الفلبين، أتيحت لي الفرصة للاطلاع على عدد من التجارب الزراعية التي تقودها جمعيات تعاونية ناجحة.

كان أكثر ما شد انتباهي أن الجمعية التعاونية لم تكن مجرد جهة تمنح العضوية أو تعقد الاجتماعات، بل كانت مؤسسة اقتصادية متكاملة، تدير العملية الزراعية منذ بدايتها وحتى نهايتها.

في بداية الموسم الزراعي، تقوم الجمعية بحصر احتياجات أعضائها، ثم توفر لهم التقاوي المحسنة، والأسمدة، والمبيدات، وبعض المعدات الزراعية، كما تنسق حصولهم على التمويل اللازم، وتتابعهم بالإرشاد الفني طوال الموسم.

أما المنتج، فيتفرغ لما يجيده، وهو العناية بإنتاجه وتحسين إنتاجيته، دون أن ينشغل بتقلبات الأسواق أو البحث عن مستلزمات الإنتاج.

وعندما يحين موسم الحصاد، تبدأ مرحلة جديدة لا تقل أهمية. إذ تتولى الجمعية استلام المنتجات من المنتجين، ثم تقوم بفرزها وتصنيفها وتعبئتها وفق معايير الجودة، قبل أن تدخل في مفاوضات مع المشترين أو مصانع التصنيع أو شركات التصدير للحصول على أفضل الأسعار.

وبعد اكتمال عملية البيع، تُعد الجمعية كشفًا ماليًا واضحًا لكل منتج، تُخصم منه قيمة التمويل، ومدخلات الإنتاج، والخدمات التي قدمت له طوال الموسم، إضافة إلى رسوم إدارية بسيطة لتغطية نفقات التشغيل، ثم يُسلَّم المنتج صافي مستحقاته بكل شفافية.

لقد لمست في هذه التجربة أمرين في غاية الأهمية؛ أولهما أن المنتج لم يعد فريسة للوسطاء، وثانيهما أن الجمعية لم تكن منافسًا للمنتج، بل كانت شريك نجاحه.

وكان واضحًا أن العلاقة بين الطرفين تقوم على الثقة والانضباط والالتزام باللوائح، ولذلك استمرت هذه الجمعيات في النمو عامًا بعد عام.

ماذا نتعلم للسودان؟

هذه التجربة ليست حكرًا على الفلبين، بل يمكن تكييفها بما يتناسب مع واقع السودان، خاصة في المحاصيل الإستراتيجية مثل القمح، والذرة، والسمسم، والفول السوداني، والبصل، والصمغ العربي، والقطن، والفاكهة.

ولو نجحت جمعياتنا التعاونية في القيام بالأدوار نفسها، فإنها ستتمكن من:

تخفيض تكلفة مدخلات الإنتاج من خلال الشراء الجماعي.
توفير التمويل الموسمي للمنتجين بشروط ميسرة.
تقديم خدمات الإرشاد الزراعي بصورة جماعية.
تنظيم عمليات الحصاد والنقل والتخزين.
إنشاء مراكز للفرز والتعبئة والتبريد.
التفاوض باسم آلاف المنتجين بدلًا من تفاوض كل منتج بمفرده.
تصدير المنتجات بعلامات تجارية سودانية موحدة.
زيادة دخل المنتج وتقليل الفاقد بعد الحصاد.

وبذلك تتحول الجمعية من كيان إداري محدود إلى مؤسسة اقتصادية حقيقية، تخدم أعضاءها، وتسهم في دعم الاقتصاد الوطني.

رسالة إلى صانع القرار

إن بناء تعاونيات زراعية قوية لا يحتاج إلى ميزانيات ضخمة بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية وتشريعات حديثة وإدارة كفؤة.

وأقترح أن تتبنى الدولة برنامجًا وطنيًا لدعم التعاونيات الزراعية، يقوم على خمسة محاور رئيسية:

تحديث قانون التعاونيات بما يضمن استقلاليتها وشفافية إدارتها.
إنشاء صندوق وطني لتمويل التعاونيات الزراعية.
تخصيص أراضٍ لإقامة مراكز التجميع والتخزين والتعبئة.
تدريب القيادات التعاونية على الإدارة الحديثة والحوكمة.
ربط التعاونيات بالأسواق المحلية والإقليمية والعالمية.

إن دعم التعاونية هو في حقيقته دعم للمنتج، ودعم المنتج هو دعم للأمن الغذائي، ودعم الأمن الغذائي هو استثمار في استقرار الوطن.

كلمة أخيرة

لقد علمتني رحلاتي أن الدول التي احترمت المنتج، ونظمت جهوده في مؤسسات تعاونية قوية، استطاعت أن تحقق قفزات كبيرة في الإنتاج والتنمية.

أما الدول التي تركت المنتج وحيدًا في مواجهة السوق والتمويل والمخاطر، فقد ظلت تعاني من ضعف الإنتاج واتساع رقعة الفقر في الريف.

إن السودان يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليصبح سلة غذاء حقيقية، لكنه يحتاج إلى إعادة تنظيم المنتجين في مؤسسات قوية، وإلى الانتقال من ثقافة العمل الفردي إلى ثقافة العمل الجماعي.

ولعل التعاونيات الزراعية هي بداية الطريق.

“التعاون ليس شعارًا، بل أسلوب لبناء الإنسان قبل بناء الاقتصاد، وبناء الاقتصاد قبل بناء الأوطان.”

المستشار عبدالكريم جعفر الحسن
خبير في المشاريع التنموية والتنمية المستدامة

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.