خبر وتحليل | عمار العركي عاد المواطن… والأمان لم يعُد ثم ماذا بعد العودة؟.
*خبر وتحليل | عمار العركي*
*عاد المواطن… والأمان لم يعُد*
*ثم ماذا بعد العودة؟*… “ولا عودة آمنة في ظل عدالة غائبة وخيانة بلا مساءلة*.
*عاد المواطن… لكن الأمان لن يعود إلا بالعدالة’
▪️عودة المواطنين إلى ديارهم مؤشر إلى اقتراب نهاية الحرب، وإيذان ببداية معركة أخرى أكثر خطورة. فالحرب انجلت عن الشوارع وغادرت البيوت، لكن آثارها استقرت في النفوس، والبيوت التي عاد إليها أصحابها لم يعد إليها ذلك الشعور بالأمان الذي كان يميز المجتمع السوداني قبل الحرب.
▪️ولعل ما كتبه الأستاذ رمضان محجوب في مقاله الحزين “الجار الشفشاف” عبّر عن أحد أخطر التحولات المجتمعية التي أفرزتها الحرب؛ إذ لم يعد الخوف من المعتدي وحده، بل من ذلك الجار الذي خان قيم الجوار، ودلّ على البيوت وما بداخلها، أو سهّل اقتحامها، أو تستر على نهبها، أو كتم شهادة حق. لقد لخّص المقال أزمة الثقة التي خلفتها الحرب، وأعاد طرح السؤال الحقيقي: كيف يعود الناس إلى بيوتهم إذا كان الأمان نفسه لم يعد؟ فإعادة الإعمار قد تعيد المباني والخدمات، لكنها لا تعيد الثقة ما لم تستعد العدالة مكانتها، ويُحاسب كل من خان.
▪️وكان واقع العودة أكثر قسوة مما توقع الجميع. أبواب مكسورة أو مسروقة، ومنازل مستباحة ومنهوبة، وجدران شاهدة على الانتهاكات، ومقتنيات تمثل شقاء السنين وحصاد العمر قد اختفت. أما الصدمة الأكبر فكانت في مشهد بيع ممتلكات المواطنين على الملأ في بعض الأسواق و”الفريشة”، بينما يعيش من شاركوا في الوشاية أو الإرشاد أو التواطؤ بحرية، دون أن يلوح في الأفق بصيص أمل بأن العدالة قد بدأت تأخذ مجراها.
▪️قد تعود الكهرباء والمياه، وتفتح المدارس والمستشفيات أبوابها، لكن الأمان لا يعود بالخدمات وحدها. فالأمان ليس دورية في الشارع، ولا نقطة ارتكاز عند مدخل الحي، ولا إعلاناً رسمياً باستقرار الأوضاع، ولا تقارير تتحدث عن هدوء الأحوال أو عبارة: “لا حدث يستحق الذكر”. الأمان هو أن يطمئن المواطن إلى أن بيته لن يُستباح مرة أخرى، وأن جاره لن يكون دليلاً لمن يريد الاعتداء عليه، وأن من خان المجتمع لن يصبح غداً جزءاً من مؤسساته أو واجهةً للعمل العام دون مساءلة، وأن التعافي الوطني أصبح واقعاً يُلمس، لا شعاراً يُرفع.
▪️فبينما وقف رجال ونساء يدافعون عن جيرانهم، ويحفظون بيوتهم، ويصونون الأمانة، اختار آخرون طريق الخيانة؛ دلّوا على البيوت، وسهّلوا اقتحامها، أو شاركوا في نهبها، أو تستروا على الجناة، أو وجدوا في الفوضى فرصة لتحقيق مكاسب لم يكن لهم أن يحصلوا عليها في ظل دولة يحكمها القانون. والمؤلم أن بعض هؤلاء ما زالوا بيننا، بل يسعون إلى إعادة تقديم أنفسهم في ثوب جديد، متحدثين عن الأمن والاستقرار، أو مشاركين في لجان الخدمات ومبادرات إعادة الحياة إلى الأحياء، وكأن شيئاً لم يكن.
▪️لن يعود الأمان كما كان إلا بسيادة القانون وتحقيق العدالة الناجزة، لا بالاتهامات الجزافية، ولا بروح الانتقام، ولا بتصفية الحسابات. فالمجتمعات الخارجة من الحروب لا تُبنى بروح الثأر، لكنها أيضاً لا تستقر بتجاهل الجرائم أو القفز فوقها. فالعدالة ليست نقيض التسامح، بل هي شرطه الأول، ولا مسامحة ولا مصالحة حقيقية إذا شعر الضحايا بأن آلامهم قد طُمست، أو أن ما تعرضوا له أصبح مجرد ذكرى في ذاكرة حرب وجودية.
▪️فالحروب لا تنتهي عندما يصمت الرصاص، وإنما عندما تنطق العدالة، ويشعر المواطن أن كرامت
ه مصانة، وحقوقه محفوظة، وأن القانون يحميه، وأن من خان، أو غدر، أو تعاون، أو تستر، لن يفلت من الحساب. عندها فقط تستعيد البيوت دفأها، وتستعيد الأحياء روحها، ويستعيد المجتمع عافيته… ويعود الأمان.
