اغتيال الشخصيات.. سياسة السقوط ودسائس التأويل د. إسماعيل الحكيم
اغتيال الشخصيات.. سياسة السقوط ودسائس التأويل
د. إسماعيل الحكيم
إن حرب الكلمات لم تكن أسرع نهاراً ولا أشدّ ضراوة في التاريخ من حرب السلاح، بل إن الأولى كثيراً ما تسبق الثانية لتوطد لها الأرض، وتُمَهّد لحمام الدم بدمار أشد وهو قتل الرموز والنيل من الشرفاء . . إن ظاهرة اغتيال الشخصيات ليست صنيعة اليوم، ولا هي وليدة الصدفة الرقمية التي نعيشها؛ إنها أسلوب قديم متجدد، يغير جِلده في كل عصر، ويدثر سوءاته بأثواب ناعمة خادعة، ليتخذ من التأويل الفاسد واجتزاء الكلم عن مواضعه خنجراً يُطرق به ظهر كل قامة يُعجزهم النيل منها مواجهةً وحجة.
إذ تعتمد هذه السياسة البائسة على رصد الهفوات المفترضة، وتحريف المقاصد، واقتطاع الجمل من سياقاتها الكلية، ليعاد إنتاجها في قوالب تشكيكية تنال من قدر الرمز، وتستعدي عليه العامة، وتنفس عن غلٍّ أضمرته النفوس المخالفة منهجاً وفكراً.
ولعلَّ ما تعرض له فضيلة العالم الفقيه المجتهد، والداعية الثبت الدكتور محمد الأمين إسماعيل ، يمثل النموذج الصارخ لهذه الحملات الممنهجة. لقد استكثر عليه شُكّاك الكلم ومحترفو الاصطياد في الماءكدر أن يمارس واجبه الشرعي والأخلاقي، محذراً ومنبهاً ومذكراً أهله ومجتمعه بأن الذنوب والمعاصي سببٌ رئيس من أسباب النوازل والمحن ومنها هذه الحرب الطاحنة .
إن ما قاله الشيخ ليس بدعاً من القول، ولا هو بالرأي النشاز؛ إنما هو أصل أصيل يسنده القرآن الكريم في صريح آياته، والسنة المطهرة في صحاح أحاديثها. أليس الله هو القائل جل وعلا: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ ؟ إن ربط المصائب بالذنوب ليس انتقاصاً من الشعوب، ولا تواطؤاً مع الظلمة، ولكنه باب المراجعة والتوبة والرجوع إلى الله ، الذي ينادي به كل مصلح في زمن الأزمات. لكنّ المخالفين، لما عجزوا عن مقارعة الدليل بالدليل، لجأوا إلى أدواتهم الخسيسة، فحوّلوا النصيحة إلى اتهام، والموعظة إلى جريمة!
ولم يقف الإفلاس الفكري والأخلاقي لدى هؤلاء عند حدود التحريف اللفظي، وإنما هبط إلى حضيض لا يليق بالصحافة ولا بالحوار الإنساني بلهَ الفكري؛ حين تعمّدوا إجراء مقارنات واستبيانات هابطة تضع هامة إسلامية ورمزاً سودانياً شاهقاً في كفة، وإحدى المغنيات في كفة أخرى! والسؤال أيهما أقرب وجدانياً لك ؟؟أيّ عبث هذا؟ وأي إفلاس وصلت إليه هذه القلوب والأقلام؟
إنني لأجزم يقينًا أن الشيخ -في علياء اشتغاله بالعلوم الشرعية وهموم الأمة- لم يسمع بهذه المغنية، ولا بذاك السفه الرقمي، ولن ينزل ببصره ولا بفكره إلى هذه السقطات. فإن المقارنة بين أهل العلم والفكر وبين أرباب اللهو في أوقات الكوارث والأزمات ليست إهانة للشيخ فحسب، بقدر ما هي إهانة للوعي الجمعي والأخلاقي للشعب السوداني الذي يعرف رجاله ويعزّ علماءه.
إن واجبنا الإعلامي و الأخلاقي يفرضان علينا اليوم أن نقف موقف الحق، ليس دفاعاً عن شخص الدكتور محمد الأمين إسماعيل فحسب، فهو أكبر من أن تضره هذه الترهات، ولكن دفاعاً عن مفهوم الكلمة الصادقة والرمزية الدينية والوطنية ؛ فمن أقامه الله في مقام الدعوة والخطابة والإمامة، لن تزهزه الشائعات ولا محاولات التشويه الرخيصة.
إن مثل هذه الترهات والأراجيف لن تزيد الشيخ إلا ثباتاً ورسوخاً على منهجه المتين في النصح والإرشاد، وسيظل منبره الرصين صوتاً جلياً للحق، وسنداً صلباً لمؤسسات الدولة وجيشها الوطني في معركة الكرامة، وغصةً لا تزول في خلوق المرجفين والشانئين. وستذهب الفقاعات ويبقى الجوهر، وسيموت الاصطياد الرخيص في مهد الإفلاس، ويبقى العلمُ راسخاً، والعلماءُ شامخين كالبالقات، لا تهزهم مناوشات من باعوا الحجة واشتروا الصخب.
