اللواء عبدالمحمود : فقيد الوطن ، شهيد الواجب و جار العمر عمــار العـركي
اللواء عبدالمحمود : فقيد الوطن ،
شهيد الواجب و جار العمر
عمــار العـركي

غيب الموت بصورة مفاجئة اللواء شرطة عبدالمحمود العوض، مدير الهيئة العامة للجوازات والهجرة ، وهو يؤدي واجبه ممثلاً للسودان خلال مشاركته في اجتماع وزراء الداخلية العرب بتونس، ليختتم مسيرة مهنية حافلة وهو في ميدان الخدمة، كما عاشها منذ بدايتها، في مشهد يليق برجل ظل وفياً لمسؤوليته حتى آخر لحظات حياته، فرحل وهو يؤدي واجبه الوطني، شهيداً للواجب.لم يكن الفقيد بالنسبة لي مجرد مسؤول في الدولة، بل كان جاراً عزيزاً في حي الفيحاء بمحلية شرق النيل لما يقارب عشر سنوات. تقاسمنا فيها حُسن وصدق الجوار، ولم تفرقنا إلا الحرب التي شتت أهل الفيحاء والخرطوم . وكان عبدالمحمود بالنسبة لي أكثر من جار، كان أخاً وصديقاً ومتنفساً وسنداً، أجد عنده رحابة الصدر وحسن الاستماع، وألجأ إليه لأشكو جور الحرب وتقلبات الزمان، فأجد منه الكلمة الطيبة والموقف النبيل والروح المتسامحة التي عُرف بها.وما إن تحررت العاصمة حتى كان من أوائل العائدين إليها، في مشهد جسد ارتباطه بالأرض وإ بأن عودة الإنسان إلى داره هي أولى خطوات عودة
الوطن إلى الحياة.عرفت فيه هدوء الطبع، وحسن الخلق، والتواضع، والابتسامة الصادقة التي لا تفارقه. كان قليل الكلام، كثير الفعل، يؤدي واجبه بإخلاص بعيداً عن الضجيج، ويترك في كل موقع يتولاه أثراً طيباً وبصمة يصعب نسيانها.
ولم تكن هذه الصفات حكراً على من جاوره أو عمل معه، بل أجمع عليها كل من عرفه؛ فقد وصفه زملاؤه ورفاقه بأنه كان رجلاً فاضلاً، هشاً باشاً، لين الجانب، عفيف اللسان، وفياً لزملائه وأصدقائه، جاداً ومتفانياً في عمله، لم تغيره المناصب، ولم تتبدل شخصيته مع تعاقب السنين، وظل محتفظاً بتواضعه ووفائه حتى آخر أيامه.ولعل أصدق شهادة على مكانته جاءت في الساعات الأولى بعد إعلان وفاته؛ إذ لم تمضِ ساعة على وصول نبأ الرحيل المفجع إلى أسرته، حتى بدأ منزله يستقبل أفواج المعزين في مشهد جسد حجم المحبة والاحترام اللذين حظي بهما.
وتقدمت جموع المعزين قيادات الدولة والأجهزة النظامية، يتقدمهم وزير الداخلية الفريق بابكر سمرة، ومدير عام قوات الشرطة الفريق أول أمير عبد المنعم، وقيادات الشرطة بمختلف تخصصاتها، ووالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، ونائب مدير جهاز المخابرات العامة اللواء عباس محمد بخيت، ومدير أمن ولاية الخرطوم السابق الفريق حسين نوية، وقائد قوات حركة العدل والمساواة بالعاصمة القومية الفريق محمد التوم إبراهيم، الذي جمعته بالفقيد علاقة الجوار ورفقة مسجد الحماد بحي الفيحاء، إلى جانب عدد من وزراء حكومة الأمل، وعدد من القيادات السياسية يتقدمهم القيادي الشاب خالد الفحل، فضلاً عن جيران الفقيد والمصلين بالمسحد وأهالي مربع (8) بحي الفيحاء.ذلك الحضور الكبير شهادة حية على سيرة رجل كسب احترام الجميع بأخلاقه قبل منصبه، وكان له بالغ الأثر في التخفيف من وقع الصدمة الأولى على أسرته الصغيرة وإسنادها في هذا المصاب الجلل.في مجلس العزاء، استوقفتني رواية مؤثرة رواها لي أحد قيادات الشرطة، قال فيها إن اللواء عبدالمحمود، وقبل مغادرته إلى تونس للمشاركة في المؤتمر، حرص على إتمام إجراءات التسليم والتسلم بصورة كاملة، ثم طاف علي ضباط وضباط صف وأفراد مكتبه، وودعهم فرداً فرداً، طالباً منهم أن يعفوا عنه وأن يسامحوه إن بدر منه ما يستوجب العتب.لم يكن أحد يدرك أن تلك الكلمات ستكون وداعه الأخير، وأنها ستبقى عالقة في ذاكرة كل من سمعها.
خرج من السودان حاملاً أمانة تمثيل وطنه، وكانت أسرته تنتظر عودته كما اعتادت بعد كل مهمة رسمية، لكن القدر شاء أن يعود إليهم نبأ وفاته بدلاً من عودته. وما أقسى أن يتحول انتظار اللقاء إلى استقبال العزاء، وأن تستبدل حقائب السفر بأكفان الرحيل.رحل اللواء عبدالمحمود وهو في ميدان الواجب، بعد أن أدى الأمانة، وبرأ ذمته، واستسمح زملاءه، فكأن الله سبحانه وتعالى هيأه للقاء الكريم. وهي خاتمة يرجوها كل صاحب رسالة، وكل من أفنى عمره في خدمة وطنه بإخلاص وتجرد.برحيل شهيد الواجب اللواء عبدالمحمود العوض، فقدت الشرطة السودانية أحد أنبل ضباطها، وفقدت مؤسسة الجوازات قائداً ترك بصمته في مسيرتها، وفقد الوطن واحداً من رجاله الذين آمنوا بأن خدمة السودان رسالة وشرف قبل أن تكون وظيفة.أما أنا، فقد فقدت جاراً كريماً وإنساناً نبيلاً، وصديقاً كان متنفساً وسنداً في زمن المحنة، ستظل سيرته الطيبة حاضرة في الذاكرة ومتقدة أبداً، .رحم الله فقيد الوطن وشهيد الواجب اللواء عبدالمحمود العوض رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه لوطنه وشرطته في ميزان حسناته، وألهم أسرته ورفاقه وزملاءه ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون
