منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

السودان بين أنياب التماسيح وبراثن الأقطان ================= ✍️ كتب/ حسن البصير

0

السودان بين أنياب التماسيح وبراثن الأقطان
✍️ كتب/ حسن البصير

مرّ الخبر على شريط الأخبار العاجلة مرور الكرام، كأنه إعلان عن تخفيضات موسمية، لا زول وقف ولا زول سأل. هيئة مياه ولاية الخرطوم أعلنت أنها جابت صنادل عائمة لرفع المياه من النيل بعد انحسار المنسوب. بالله عليكم، في عز الخريف! الزمن المفروض النيل يكون عامل فيها بطل أفلام أكشن، يهدد الضفاف ويخلي الناس ترفع العفش فوق السراير، فإذا بنا نبحث عن الموية بالصنادل. يبدو أن الخريف أخذ إجازة بدون مرتب، والنيل دخل مرحلة “التقشف المائي”.
▪️المشكلة ليست في الصندل، وإنما في الرسالة المكتوبة تحت الموية. انخفاض المنسوب في هذا التوقيت ليس أمراً عادياً، وسد النهضة هناك يتعامل مع النيل كأنه حنفية في بيت إيجار؛ يفتح ويقفل حسب المزاج، بينما نحن نتفرج على النهر وهو ينسحب بهدوء، حتى أصبحت الطلمبات تشفط الهواء، والمزارع يزرع الأمل بدل الذرة، والسمك نفسه ربما بدأ يبحث عن سكن بديل.
▪️ومع انحسار المياه خرجت التماسيح من الأعماق، وكأنها تلقت إخطاراً رسمياً بإخلاء النهر. أصبحت تتجول على الشواطئ بثقة أكثر من بعض المسؤولين، حتى صار الذهاب إلى النيل يحتاج إلى رخصة صيد ورخصة نجاة ورخصة تفاوض مع تمساح. وبقينا نحمل السلاح لسببين؛ مرة لمواجهة مليشيا آل دقلو، ومرة لمواجهة مليشيا التماسيح. والله يا بلد، حتى الحيوانات دخلت معانا في الأزمة.
▪️لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في تماسيح النيل، بل في تماسيح المكاتب. فالصحفية رشان أوشي كشفت، نقلاً عن إجراءات نيابة المال العام ومكافحة الفساد، جانباً من ملفات شركة السودان للأقطان، حيث جرى استرداد عشرات الملايين من الجنيهات، وآلاف الدولارات والدراهم، وإلغاء قرارات تمليك وصرف بلا وجه حق، بينما لا تزال مراجعة تمويلات بمليارات الجنيهات ومديونيات وملفات أخرى مستمرة. واضح أن بعض المسؤولين كانوا يفهمون المال العام باعتباره نظام “خذ واحدة والثانية مجاناً”.
▪️وهكذا أصبح السودان محاصراً بين نوعين من التماسيح؛ تماسيح خرجت من النيل لأنها جاعت، وتماسيح خرجت من الضمير منذ زمن بعيد لأنها لا تشبع. الأولى قد تلتهم إنساناً إذا اقترب منها، أما الثانية فتلتهم مؤسسات كاملة وهي تبتسم للكاميرات وتتحدث عن النزاهة والإصلاح. لذلك إذا قال لك أحد إن السودان غارق، فصحح له المعلومة؛ السودان ليس غارقاً، بل ناشف… ناشف من الماء، وناشف من المحاسبة، وما زلنا نحاول السباحة بين أنياب التماسيح التي خرجت من النيل، وبراثن التماسيح التي لم تغادر المكاتب يوماً.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.