منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

أخلاق الإنسان في الفضاء الرقمي ✍️ حسبو علي بخيت

0

أخلاق الإنسان في الفضاء الرقمي
✍️ حسبو علي بخيت

ما أشدَّ حاجةَ الإنسان في هذا العصر إلى دينٍ يضبط سلوكه وقانون يردعه، وأدبٍ يرفعه، وضميرٍ يراقبه؛ فإنَّ الفضاء الرقمي قد فتح للناس أبوابًا لم تفتحها الأسواق، ومدَّ لهم ألسنةً أطول من المسافات، وأيديَ أبعد من الحدود، حتى صار المرء يخاطب الدنيا كلها وهو جالسٌ في زاوية بيته، وينشر الكلمة فتسبق الريح، وتبلغ الآفاق، ثم لا يستطيع بعد خروجها أن يردها كما لا يستطيع الرامي أن يرد سهمه بعد انطلاقه.
لقد كانت الكلمة قديمًا تُقال فتسمعها آذانٌ معدودة، ثم تمضي بانقضاء مجلسها، أما اليوم فإنها تُكتب مرةً فتعيش أعوامًا، وتتنقل بين الناس انتقال الضوء، وتُبنى عليها الأحكام، وتُصنع بها السمعة، وتُهدم بها البيوت، ويُصلح بها قوم، أو يُفسد بها آخرون. فأيُّ مسؤوليةٍ أعظم من كلمةٍ لا تموت، ولا تنام، ولا تعرف طريق النسيان؟
وليس الفضاء الرقمي عالمًا خارج سلطان الله، ولا منطقةً معزولةً عن رقابة السماء؛ بل هو ميدانٌ من ميادين الابتلاء، يُختبر فيه صدق الإيمان كما يُختبر في المسجد والسوق والطريق. فمن ظن أن خلوته خلف الشاشة تستره عن نظر الله، فقد جهل معنى قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
ما أوسع هذا الفضاء الذي لا تحده حدود، ولا تحجبه سدود، ولا تعرف رسائله ليلًا ولا نهارًا، ولا تستأذن كلماته بابًا ولا دارًا! لقد أصبح العالم شاشةً واحدة، يتجاور فيها البعيد والقريب، ويتلاقى فيها الغريب والحبيب، حتى غدت الكلمة تسافر أسرع من الضوء، ويبلغ صداها الآفاق قبل أن يهدأ رجعها في صدر قائلها. وقبل أن يرتد إليك طرفك.
غير أن هذا الاتساع الذي فتح للناس أبواب المعرفة، فتح معهم أبواب الفتنة؛ فمن أحسن دخوله كان له منبرًا للخير، ومن أساء استعماله كان عليه شاهدًا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
إن الفضاء الرقمي ليس عالمًا منفصلًا عن الدين، ولا ساحةً معفاةً من الأخلاق، ولا ميدانًا تُرفع فيه التكاليف، بل هو امتدادٌ للحياة، وما جرى فيه جرى عليه حكم الله، وما كُتب فيه كُتب في صحيفة صاحبه، وما نُشر فيه بقي أثره ما بقيت وسائله. فما أكثر كلمةٍ ظنها صاحبها عابرة، فإذا بها عند الله عظيمة! وما أكثر تغريدةٍ أراد بها السخرية، فإذا بها تجرح قلبًا، أو تهدم بيتًا، أو توغر صدرًا، أو تشعل فتنةً لا يعلم مداها إلا الله.
إن المؤمن لا يبدل أخلاقه إذا أمسك الهاتف، ولا يخلع حياءه إذا دخل إلى الشبكات، ولا ينسى رقابة ربه إذا اختفى وراء اسمٍ مستعار أو صورةٍ مجهولة؛ لأنه يعلم أن الذي يراه في المسجد يراه في الهاتف، والذي يسمعه في المجالس يسمعه في الخلوات، وأن السر عند الله علانية، والخفاء لديه شهادة.
لقد علَّمنا الإسلام أن الكلمة أمانة، وأن اللسان مسؤول، وأن القلم محاسب، وما لوحة المفاتيح إلا لسانٌ جديد، وما الشاشة إلا صحيفةٌ أخرى، وما النشر إلا شهادةٌ يوقعها الإنسان على نفسه، فإن كانت حقًا رفعت صاحبها، وإن كانت باطلًا أردته في مهاوي الندامة.
وليس من المروءة أن يتحول الإنسان في العالم الرقمي إلى قاضٍ بلا بينة، أو شاهدٍ بلا أمانة، أو ناقلٍ لكل ما يسمع، أو مروِّجٍ لكل ما يرى. فكم من إشاعةٍ أحرقت أوطانًا، وكم من صورةٍ مزقت أعراضًا، وكم من خبرٍ كاذبٍ أشعل عداواتٍ كان يمكن أن تبقى في طي النسيان. فكل لفظٍ محسوب، وكل حرفٍ مكتوب، وكل أثرٍ محفوظ.
وما أحوجنا اليوم إلى أدبٍ رقمي، يرد الذي يريد أن يغتاب عن الغيبة، ويمنع اللسان من السباب، ويكف اليد عن نشر الفاحشة، ويغلق أبواب الشماتة، ويجعل من وسائل التواصل وسائلَ للتراحم، لا منصاتٍ للتخاصم؛ للتناصح، لا للتجريح؛ للبناء، لا للهدم؛ لجمع القلوب، لا لتفريق الصفوف.
إن الحضارة لا تقاس بسرعة الإنترنت، وإنما تُقاس بسمو الضمير وترفعه عن الصغائر. وما قيمة هاتفٍ ذكي إذا كان صاحبه غافلًا؟ وما نفع تقنيةٍ متطورة إذا كانت الأخلاق متأخرة؟ إن الإنسان هو الذي يمنح التقنية شرفها أو يسلبها فضلها؛ فإن حمل إليها الصدق صارت نورًا، وإن حمل إليها الكذب صارت نارًا، وإن أودع فيها الحكمة كانت بابًا للهداية، وإن ملأها بالباطل كانت سبيلًا إلى الغواية.
وما أقبح أن يطلب المرء إعجاب الناس بمعصية الله، أو شهرةً بثمن الكرامة، أو انتشارًا على حساب الأعراض، أو تصفيقًا يورثه يوم القيامة حسرةً وندامة! فليس كل مشهورٍ محمودًا، ولا كل متابعٍ مسعودًا، وإنما السعيد من جعل أثره صدقةً جارية، وكلمته هادية، ومنشوره شاهدًا له لا عليه.
إن الأسرة مسؤولة عن غرس هذه الأخلاق في نفوس الأبناء، وإن المدرسة مطالبة ببناء الوعي قبل المهارة، وإن المسجد مدعو إلى بيان أحكام الكلمة في زمن المنصات، وإن الإعلام الأمين مطالب بأن يجعل من أخلاق الفضاء الرقمي ثقافةً عامة، لا وصايا موسمية؛ لأن المجتمع الذي يحرس أخلاقه في العالم الرقمي يحرس أمنه، ويحفظ وحدته، ويصون مستقبله.
فلنجعل من كل منشورٍ رسالةَ خير، ومن كل تعليقٍ بابًا للأدب، ومن كل مشاركةٍ صدقةً للكلمة الطيبة، ولنسأل أنفسنا قبل أن نكتب: أيرضي هذا ربنا؟ أيصلح به مجتمعنا؟ أيُسرُّ به والدانا؟ فإن كان الجواب نعم، فاكتب مطمئنًا، وإن كان غير ذلك، فالصمت أبلغ، والإمساك أسلم، والكف عن الشر عبادة.
وهكذا يبقى الفضاء الرقمي، على سعته، امتحانًا للأخلاق قبل أن يكون ميدانًا للتقنيات، واختبارًا للضمائر قبل أن يكون معرضًا للمهارات؛ فمن زانه بالتقوى علت منزلته، ومن عمره بالمروءة طابت سيرته، ومن جعله سبيلًا للإصلاح سعد في دنياه، ورجا الفوز في أخراه.
ولعل أعظم ما يحتاجه عالمنا اليوم ليس مزيدًا من الأجهزة، بل مزيدًا من الضمائر؛ وليس اتساعًا في الشبكات، بل اتساعًا في مكارم الأخلاق؛ فالأمم تُبنى بالقيم، والإنسان يسمو بالفضائل، والكلمة إذا خرجت من قلبٍ يخاف الله بلغت القلوب قبل الأسماع، وبقي أثرها ما بقي الخير في الأرض.
السؤال الذي يحتاج إلى إجابة بي منتهى الشفافية والوضوح
متى يتم تطبيق الدين والأخلاق والمبادئ في الفضاء الرقمي؟؟

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.