منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

عودة «إيغاد» إلى الخرطوم: دلالات الاختراق وركام الأسئلة المعلقة د. إسماعيل الحكيم 

0

 

عودة «إيغاد» إلى الخرطوم: دلالات الاختراق وركام الأسئلة المعلقة

 

د. إسماعيل الحكيم

 

تكتسب عودة الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا إيغاد إلى ممارسة نشاطها من الخرطوم، بعد مقاطعة وجفاء رسمي استمرا لأكثر من عامين، بعداً جيو-سياسياً مكثفاً لا يمكن اختزاله في أنه إجراءاً بروتوكولياً أو خطوة إدارية عادية ، إذ تجيء هذه العودة في لحظة فارقة من تاريخ السودان الحديث، حيث تخوض الدولة حرباً مصيرية ضد ميليشيا تمردت على المؤسسة العسكرية الوطنية، وسط تعقيدات إقليمية ودولية بالغة. ويقود التتبع التاريخي لتأسيس المنظمة إلى حقيقة جوهرية مفادها أن السودان ليس عضواً عابراً أو فرعاً ثانوياً في هذه الهيئة، إنما هو حجر الزاوية وواحد من أبرز المؤسسين لحلف إيغاد ، ومن هذا المنطلق، فإن عودة المنظمة إلى الخرطوم ليست منّة تُمنح، ولكنه استعدال لمسار مقلوب وأمر فرضته جغرافية الأزمة وسادتها، خاصة وأن المنظمة تأسست أصلًا لمواجهة التحديات العابرة للحدود والمتمثلة في ثلاثيتها الاستراتيجية: مكافحة التصحر والجفاف، وتحقيق التنمية الشاملة، وصون السلم والأمن الإقليمي. واليوم، تجد «إيغاد» نفسها أمام اختبار وجودي لمصداقيتها؛ إذ كيف يمكن الحديث عن تنمية أو بيئة في إقليم يشتعل قلبه النابض بالحرائق، حيث أدى غياب الخرطوم عن الفاعلية الإقليمية عملياً إلى شلل أجهزة المنظمة وفقدانها لبوصلتها، لتغدو هذه العودة استجابة لضرورة ذاتية للمنظمة لاستعادة مشروعيتها، مقترنة بضغط واقعي فرضته الميدانيات الجديدة وصمود الدولة السودانية ومؤسساتها، مما أرغم الفاعلين الإقليميين على الإقرار بصرامة الأمر الواقع والذي يؤكد أنه لا إقليم بلا سودان فاعل ومستقر.

إن هذه العودة تطرح إشكالية أخلاقية وسياسية حادة، تتبدى في كيفية لعب المنظمة دور الوسيط النزيه في وقت تورطت فيه دول أعضاء داخلها في تقديم الدعم اللوجستي والسياسي والعسكري المفضوح للميليشيا المتمردة، حيث تحول هذا الدعم الإقليمي من تغاضٍ سياسي بيّن إلى شراكة ميدانية صريحة أطالت أمد الحرب وهرّبت السلاح وفتحت المنافذ الآمنة للتمرد، مما أضر بعمق مفهوم الأمن الجماعي الذيُ أنشئت «إيغاد» لحمايته. ومع ذلك، تحمل العودة إلى الخرطوم في جوهرها اعترافاً ضمنياً بالشرعية الوطنية والمؤسسية للدولة السودانية، وإقراراً حاسماً بأن التعامل مع الأزمة لا يتم عبر قنوات موازية أو قفز فوق السيادة الوطنية، لكن هذا الاعتراف يظل محفوفاً بالشكوك ما لم تُقرن المنظمة خطوتها بتفكيك هذا التناقض الصارخ ووقف تغذية بعض عواصمها لأتون الصراع.

وتستدعي الذاكرة السياسية تلقائياً دور إيغاد التاريخي في هندسة اتفاقية السلام الشامل عام 2005، والتي أنهت أطول حرب أهلية في أفريقيا وقادت لاحقاً إلى انفصال جنوب السودان عام 2011، مما يطرح السؤال حول إمكانية قراءة هذه العودة كمدخل لرعاية حل سياسي حاسم. غير أن المقارنة الحذرة تؤكد أن الحرب الحالية ليست صراعاً هوياتياً أو سياسياً حول اقتسام السلطة والثروة كما كان الحال في الجنوب، وإنما هي حرب وجودية استهدفت كيان الدولة ومؤسساتها الوطنية، وبالتالي فإن إسقاط تجربة النجاح التفاوضي السابقة على الواقع الحالي يتطلب الالتزام الصارم بمهددات السيادة، والتخلي عن التبسيط الماكر للأزمة بكونها مجرد صراع بين طرفين متكافئين، أو جنرالين والانطلاق من مقومات حرب الكرامة باعتبارها معركة لحماية الدولة وصون أمنها.

إن التحليل المتأني لهذه العودة يكشف أنها لم تكن خياراً مجرداً، بقدر ما أنها جاءت نتاج مزيج متصل بين الفرض العملي والاستدراك الذاتي؛ فمن جهة فرض الصمود العسكري للجيش السوداني والتفاف الشعب حول مؤسساته واقعاً يمنع العواصم الإقليمية من استمرار سياسة التهميش أو البحث عن بدائل وهمية، إذ أثبتت الخرطوم أنها المركز الذي لا يمكن تجاوزه لأي ترتيبات أمنية في البحر الأحمر أو القرن الأفريقي. ومن جهة أخرى، أدركت العقليات الرشيدة داخل المنظمة أن استمرار المقاطعة يُشعل الفراغ الجيو-سياسي، ويُفسح المجال لتدخلات دولية تهمش دور «إيغاد» بالكامل وتفقدها مبرر البقاء. إذن تبقى عودة «إيغاد» خطوة في الاتجاه الصحيح لكنها مشروطة بالنوايا والعمل الصادق؛ فإن تعاملت المنظمة مع الخرطوم كعاصمة سيادية ذات قرار، واعتمدت مهامها الثلاث كمنظومة متكاملة لا تجزئة فيها، وواجهت بحزم الدول الداعمة للميليشيا من بين أعضائها، فقد تشكل هذه العودة البداية الحقيقية لخروج الإقليم من دوامة الاضطراب، أما إذا ظلت مجرد التفاف تكتيكي لاستعراض الأدوار، فإن الخرطوم التي صمدت في وجه العاصفة قادرة على تصويب المسارات وفرض معادلاتها الوطنية.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.