التوقيت جزءٌ من الحكمة… والوفاء لا يحتاج إلى مزايدة ✍️ : _فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد_
التوقيت جزءٌ من الحكمة… والوفاء لا يحتاج إلى مزايدة*
✍️ : _فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد_

طالعت مقال الأستاذ محمد عثمان الرضي بشأن فقيد الشرطة، اللواء شرطه عبدالمحمود العوض، رحمه الله، ورأيت أن القضية ليست في حق الكاتب في إبداء رأيه، فحرية الرأي مكفولة، وإنما في توقيت طرح الموضوع، إذ إن الحكمة تقتضي أن توضع الكلمة في موضعها، وأن تُراعى مشاعر الناس عند نزول المصائب.
ولذلك وجَّه الله تعالى عباده إلى انتقاء أحسن القول، فقال سبحانه: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]. فالكلمة قد تُصلح، وقد تُثير ما لا تُحمد عقباه إذا جاءت في غير أوانها.
لقد رحل اللواء شرطة عبدالمحمود العوض، رحمه الله، ولم يجف تراب قبره بعد، وأسرته وقبيلته الشرطية لا تزال تعيش مرارة الفقد. وفي المقابل، أدت وزارة الداخلية ورئاسة قوات الشرطة واجبهما الأخلاقي والمؤسسي منذ اللحظة الأولى لسماع نبأ الوفاة، فأقيمت مراسم العزاء بمنزل الفقيد بشرق النيل، وتقدّم السيد وزير الداخلية، والسيد المدير العام لقوات الشرطة، وكبار القادة والضباط، لتقديم واجب العزاء، كما تابعت المؤسسة إجراءات وصول الجثمان واستقباله ودفنه في وطنه الصغير قرية كرقس بولاية نهر النيل بطائرة خاصة بما يليق برجل أفنى عمره في خدمة وطنه، ورحل وهو يؤدي واجبه الرسمي ممثلًا لشرطة السودان في مهمة خارج البلاد وهذا حقه ومستحقه لا امتنانًا وتفضلًا والشرطة تعرف واجبها نحو منسوبيها وهذا لا يعني انها بلغت الكمال والمنتهي فمتى ماكان التذكير والنصح والنقد البناء موافقًا للحق دون غرض ومرض يكون مقبولًا.
ومن الإنصاف أن يُذكر هذا الموقف قبل إطلاق الأحكام، فالله تعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ… اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]. والعدل يقتضي أن تُذكر الحقائق كاملة، لا أن يُختزل المشهد في جانب واحد.
أما الحديث عن الترقيات أو الرتب أو الاستحقاقات الوظيفية، فهو أمر تنظمه القوانين واللوائح، وتفصل فيه الجهات المختصة في وقته المناسب، ولا يجوز أن يُفهم من عدم إعلان أو إجراء أن المؤسسة قد قصرت أو تنكرت لأحد رجالها، فهذه أحكام تحتاج إلى بينة، لا إلى استنتاج، و بطبيعة الحال لكل حادثة وقتها وميقاتها.
وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى مسؤولية الكلمة، فقال: « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». متفق عليه. وليس المقصود بذلك منع النقد، وإنما أن يكون النقد منضبطًا بالعدل، وحسن التوقيت، واحترام مشاعر أهل المصاب.
إن شرطة السودان عُرفت عبر تاريخها بالوفاء لمنسوبيها، وبحفظ حقوقهم وفق القانون، كما عُرفت بالحلم وضبط النفس أمام كثير من المواقف. وهذا من الأخلاق التي يحبها الله تعالى، إذ يقول سبحانه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].
وليس من الإنصاف أن يُصوَّر الأمر وكأن الكاتب أحرص على الفقيد من أسرته أو زملائه أو قياداته، فهؤلاء هم أولى الناس بحفظ ذكراه، وهم الأعلم بما قدمه، والأحرص على أن تُستوفى جميع حقوقه وفق أحكام القانون واللوائح، بعيدًا عن المزايدات أو الإثارة الإعلامية.
رحم الله اللواء شرطةَ عبدالمحمود العوض رحمةً واسعة، وتقبله في الصالحين، وجزاه خير الجزاء على ما قدم لوطنه ومؤسسته، وألهم أهله وزملاءه الصبر والسلوان، وحفظ الله السودان، وأدام على مؤسساته نعمة العدل والوفاء.
~*والله من وراء القصد~
