منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر مصعب بريــر خارج حدود القاعات: هل تملك لجنة رئيس الوزراء جراحة كبح الدولار؟

0

 

البعد_الاخر
مصعب بريــر
خارج حدود القاعات: هل تملك لجنة رئيس الوزراء جراحة كبح الدولار؟

هل جربت من قبل أن تقف أمام ميزان اختلت كفته، ثم تحاول إقناعه بأن يخبرك بالوزن الصحيح؟ في أسواقنا، لا يقرأ المواطن البسيط تقارير التضخم في النشرات الرسمية، بل يقرأها في عين بائع الخضار، وفي تراجع حبات الفاكهة داخل كيس التموين اليومي. كل شيء يرتفع صوته وسعره، بينما يلتزم السبب الحقيقي صمتاً مريباً.

هذا الصمت هو جوهر ما نعيشه اليوم. وما يحدث باختصار ليس مجرد قفزة في أرقام العملات الأجنبية، بل هو انعكاس لمعركة مكتومة بين استهلاك يفوق طاقتنا وإنتاج مكبل.

وفي محاولة لالتقاط الأنفاس، أعلن رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس عن تدشين عمل “اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد”، بحضور وزراء القطاع الاقتصادي ومحافظ بنك السودان ومسؤولي الجمارك والضرائب.

خطوة جاءت بصلاحيات تنفيذية واسعة لكبح جماح التضخم وتوحيد القرار الاقتصادي التائه بين المؤسسات. لكن السؤال الذي يشغل كل بيت اليوم: هل تملك هذه اللجنة عصا سحرية، أم أنها ستسير في الطريق القديم نفسه؟

السبب الظاهر الذي يردده الجميع في الشارع هو أن الجنيه يسقط لأن “المضاربين يتحكمون في السوق”. والنتيجة الطبيعية هي غلاء طحين الخباز ووقود الحافلة.

لكن ما لا يُرى تحت السطح هو أن الدولار ليس خصماً يُطارد في الأزقة، بل هو مجرد ميزان حرارة يقيس حمى الاقتصاد. هذا مثل السائق الذي يعالج اهتزاز سيارته بتبديل الإطارات كل أسبوع، دون أن يسأل نفسه لماذا الطريق ممتلئ بالحفر!

ما يحتاجه المواطن في سوق ليبيا أو في مزارع القضارف ليس قرارات فوقية تزين الورق، بل طمأنينة بأن المزارع الذي يحصد محصوله سيجد طريقاً معبداً وتسهيلات تصدير دون عشرات الجبايات، وأن المصنع المتوقف سيعود للدوران.

التجارب الدولية التي عبرت من أنفاق مشابهة —من تجارب دول أفريقية وآسيوية خرجت من ركام الأزمات— لم تنجح بإصدار الأوامر للعملة كي تستقر، بل بجرأة المساس بالتشوهات الهيكلية. نجحت عندما حولت الدعم من الاستهلاك الصرف إلى الإنتاج الفعلي، ووحدت سياستها النقدية والمالية تحت رؤية واحدة.

إن جمع مفاتيح القرار الاقتصادي في يد لجنة تنفيذية واحدة يرأسها رئيس الوزراء هو بداية صحيحة منطقياً، لكن السياسات لن تطعم جائعاً إن لم تتحول إلى حوافز حقيقية تحمي المنتج المحلي وتستعيد ثقة القطاع الخاص.

وهكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة؛ فالأزمة الاقتصادية لا تشتد بسبب غياب الحلول، بل بسبب التردد في اتخاذ الجراحات العميقة.

بعد اخير:

خلاصة القول، إن كبح جماح الدولار لا يبدأ من ردهات بنك السودان ولا من القاعات المغلقة للجان، بل يبدأ حيث تلمس “طورية” المزارع الأرض، وحيث تدور تروس المصانع المتوقفة. إن قيمة العملة الوطنية ليست قراراً إدارياً يُتخذ في اجتماع راتب، بل هي مرآة صادقة تعكس حجم ما ننتجه ونصدره، ومقدار الثقة التي نغرسها في حوشنا الداخلي قبل الخارج.

أخيرًا، إذا تعاملت هذه اللجنة مع الأزمة بروح “رجال الإطفاء” الذين يركضون خلف الشرارات المشتعلة، فسيظل الدولار شبحاً يطارد لقمة عيش المواطن كل صباح. أما إذا تحركت بعقلية “المهندس” الذي يعيد بناء الأساس المنهار من جذوره، فربما نكتشف حينها أننا لا نحتاج إلى مطاردة الدولار… بل نحتاج فقط إلى إعطاء اقتصادنا سبباً حقيقياً للوقوف على قدميه.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الخميس | 6 اغسطس 2026م
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.