منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

القوى السودانية… آن أوان الاجتماع على الوطن ✍️د. الشاذلي عبداللطيف

0

القوى السودانية… آن أوان الاجتماع على الوطن
✍️د. الشاذلي عبداللطيف


أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان بعد هذه الحرب أن نعود إلى السياسة القديمة بالأحزاب ذاتها، والانقسامات ذاتها، والخصومات ذاتها، ثم ننتظر نتيجة مختلفة.
لقد دفعت البلاد ثمنا باهظا، وسالت دماء، ودمرت مدن، وتشرد الملايين، وتغيرت حياة أجيال كاملة. ولذلك فإن المسؤولية التاريخية التي تقع اليوم على عاتق القوى السودانية أكبر من البحث عن موقع في سلطة، أو مقعد في حكومة، أو نصيب في تسوية سياسية.
المطلوب منها أن تعيد بناء السياسة نفسها.
الساحة السودانية لا تعاني نقصا في الأحزاب، بل ربما تعاني كثرتها. لدينا عشرات التنظيمات والحركات والتحالفات، وكثير منها متقارب في الفكر والبرنامج أكثر مما هو مختلف، لكن الخلافات الشخصية والتنظيمية صنعت أجساما جديدة حتى أصبح الانقسام عندنا أسرع من بناء المؤسسات.
وهذا يجب أن يتغير.
لماذا لا تجتمع الأحزاب المتشابهة في تيارات وطنية كبرى؟
يمكن أن تتبلور الحياة السياسية حول ثلاثة اتجاهات رئيسية: يسار ووسط ويمين، وتندمج داخل كل تيار القوى المتقاربة فكريا وبرامجيا، اندماجا طوعيا لا يلغي حرية التنظيم، ولكنه ينقلنا من سياسة الأشخاص واللافتات إلى سياسة البرامج والمؤسسات.
لسنا في حاجة إلى مائة حزب يقول نصفها الكلام نفسه.
نحتاج إلى أحزاب كبيرة يستطيع المواطن أن يعرف ماذا تريد، وكيف ستدير الاقتصاد، وما رؤيتها للتعليم والصحة والحكم والإدارة والعلاقات الخارجية، ثم يحاسبها عبر الانتخابات.
لكن قبل التنافس على حكم السودان، ينبغي أن تتفق القوى كلها على بقاء السودان.
وهنا يأتي الواجب الأكبر:
أن تجتمع كل القوى السودانية على مائدة وطنية داخل الوطن.
يجلس اليمين إلى اليسار.
والوسط إلى كليهما.
وتجلس القوى التي ساندت القوات المسلحة في معركة الكرامة مع غيرها من القوى الوطنية.
وتشارك الحركات السياسية والمجتمعية، والشباب والنساء، والإدارات الأهلية، وأهل الفكر والخبرة، وكل من يؤمن بوحدة الدولة وسيادتها.
لا نريد حوارا لتقسيم الوزارات.
ولا اجتماعا لتحديد من يحكم غدا.
نريد أولا حوارا حول السؤال الذي يسبق كل سلطة:
أي سودان نريد؟
يجب أن نتفق على دولة واحدة، وجيش وطني واحد، وسلاح واحد تحت سلطة الدولة.
نتفق على أن السلطة لا تؤخذ بالقوة، وأن الشعب هو المصدر الحقيقي للشرعية.
نتفق على سيادة القانون، واستقلال القضاء، والعدالة، وإعادة النازحين واللاجئين، وإعمار ما دمرته الحرب، وحماية المال العام، وبناء مؤسسات أقوى من الأفراد.
بعد ذلك نختلف.
نختلف في الاقتصاد.
وفي شكل النظام السياسي.
وفي السياسات الاجتماعية.
وفي كيفية إدارة موارد البلاد.
وهذا اختلاف صحي لا ينبغي أن نخاف منه.
الديمقراطية ليست أن نتفق على كل شيء، بل أن نتفق على الوطن الذي نختلف داخله.
وعلى القوى التي وقفت إلى جانب القوات المسلحة أن تدرك كذلك أن دعم الجيش في الحرب وحده لا يكفي لبناء السودان بعد الحرب.
فالمرحلة القادمة تحتاج إلى الانتقال من شعار حماية الدولة إلى مشروع بناء الدولة.
كما أن القوى التي اتخذت مواقف مختلفة مطالبة بمراجعة تجربتها وتقديم رؤية جديدة تنطلق من الواقع الذي صنعته الحرب، لا من تصورات مرحلة انتهت.
ولا عيب في المراجعة.
العيب أن يتغير الوطن ولا تتغير السياسة.
على الجميع أن يقدم تنازلات، ليس لبعضهم بعضا، وإنما للسودان.
يتنازل الزعيم عن جزء من طموحه.
والحزب عن شيء من أنانيته التنظيمية.
والتيار عن بعض تصلبه.
حتى يبقى الوطن الذي نتنافس جميعا في خدمته.
إن أكبر قوة يمكن أن يمتلكها السودان اليوم ليست في كثرة أحزابه، وإنما في قدرته على إنتاج إرادة وطنية مشتركة.
حين يجلس السوداني مع السوداني، داخل السودان، ويتفقان على الثوابت الكبرى، يصبح صوت الدولة أقوى، ويصبح قرارها أكثر استقلالا.
إننا لا نطالب القوى السودانية بأن تتطابق.
بل نطالبها بأن تنضج.
أن توحد المتشابه.
أن تحترم المختلف.
أن تقدم البرامج بدلا من الشعارات.
وأن تجعل السودان أكبر من الحزب، والوطن أكبر من الزعيم، والدولة أكبر من الجميع.
آن للقوى السودانية أن تجتمع.
لا لأن خلافاتها انتهت، بل لأن الوطن لا يحتمل استمرارها بالطريقة القديمة.
فلنتفق أولا على السودان.
ثم ليختلف السودانيون كما يشاؤون في كيفية خدمته.
تلك هي البداية الصحيحة لدولة جديدة:
حوار سوداني سوداني، داخل السودان، بإرادة سودانية، ولأجل السودان.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.