البعد_الاخر مصعب بريــر السرطان الضاحك: عندما يُباع كبرياء السوداني في مزاد الميمز ..!
البعد_الاخر
مصعب بريــر
السرطان الضاحك: عندما يُباع كبرياء السوداني في مزاد الميمز ..!
هل سألت نفسك يوماً متى تفقد الضحكة براءتها؟ في بيوتنا وسائر حيشاننا، كانت البسمة دوماً ملاذاً نلجأ إليه لنخفف به وطأة الحياة، غير أن ثمة لحظات فارقة يتحول فيها الضحك من بلسم للشروح إلى مخدر يسلبنا الوعي بما يُحاك ضدنا في الخفاء.
ما يحدث باختصار على شاشات هواتفنا اليوم هو جوهر هذه القضية. نمرر أيدينا على المقاطع المصورة لنرى كائناً كالقرد يُلبس زينا القومي، ويتحدث بلهجتنا السودانية في مشاهد كوميدية يُراد لها أن تبدو عابرة. غير أن المشهد ليس مجرد دعابة، بل هو محاولة ناعمة لمسخ وتشويه الصورة الذهنية للإنسان السوداني، وتجريده من رمزية هويته في أشد أوقاته حرجاً وتماسكاً.
السبب الأول الذي يراه الجميع هو أن هذه المقاطع صُممت لمحض التسلية وتزجية الوقت، ويقول البعض إن الأمر لا يعدو كونه مداعبة إلكترونية لا تقصد أحداً بعينيه. والنتيجة المباشرة لهذا التبسيط هي أننا نضحك، ثم نعيد النشر، ونسهم بجهل حسن النية في تدوير الإهانة حتى تطوف الآفاق، وتصبح المادة المسيئة هي الأكثر انتشاراً.
لكن ما لا يُرى تحت السطح، هو أن الإعلام الخبيث لا يقتحم حصون الشعوب دائماً بالبيانات السياسية أو المدافع؛ بل يتسلل كحصان طروادة عبر بوابة الترفيه الهابط. حين يُربط زيّ الجد والوالد ولسان البلاد بمسخ حيواني على سبيل التندر، فإن ما يُهدم هو الرمزية الحضارية في عقول الآخرين. التكرار هو السحر الأسود هنا؛ فمع كل مشاركة، تغدو الإهانة مألوفة، وينتقل المعتدى عليه من مرحلة الرفض إلى الاعتياد، ثم إلى الاستهانة بنفسه.
الأمر يشبه تماماً رجلاً يضحك مع الغرباء على تعثر ابنه في الشارع، ثم يتساءل غداً لماذا لا يحترمه الجيران. هذه القضية ليست ترفاً فكرياً، بل تمس المواطن البسيط في سوق ليبيا، والطفل السوداني في الشتات الذي بات يُواجه بنظرات تقليل من شأنه لمجرد أن الإعلام الاختزالي حدد قيمته في مقطع ساخر. السودان بأهله وتاريخه الممتد أعمق بكثير من أن يُختزل في شاشة، غير أن حماية هذا التاريخ تبدأ من الوعي بالفخ المتربص بنا.
وهكذا، تتجمع الخيوط لنصل إلى اللحظة الحاسمة. إن إحباط محاولات التشويه هذه لا يحتاج إلى قوانين معقدة، بل يبدأ بامتناع أخلاقي واعي عن إعادة النشر أو التفاعل، وبإدراك أن الرمز إذا سقط في وجدان صاحبه، فلن يرفعه أحد في العالمين.
بعد اخير:
خلاصة القول، لقد حان الوقت لنصل إلى الحقيقة المرة التي ينبغي أن نواجه بها أنفسنا جميعاً. إن الشعوب لا تُهزم حين تُهدم ديارها أو تُسلب أموالها فحسب، بل تُهزم في اللحظة التي ترتضي فيها أن تكون أضحوكة في سيرك الآخرين. حين نعتاد الجرح حتى نبتسم للسكين، نكون قد سلمنا مفاتيح ذاكرتنا لمن يكتب تاريخنا بالإهانة نيابة عنا.
أخيرًا، السودان لم يكن يوماً هامشاً في دفتر الجغرافيا، ولا هويتنا ثوباً يُعار لمن يشاء ليضحك عليه الجمهور. وعندما نسكت عن السخرية بكرامتنا اليوم باسم الدعابة، فلن نجد غداً ما نُدافع عنه حين تبحث أجيالنا عن وجهها في المرآة فلا ترى سوى القناع الذي ارتضيناه.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
