البعد_الاخر مصعب بريــر جيش منتصر وشعب مقتدر.. ٧٢ عاماً من الفخر الخالد ..!
البعد_الاخر
مصعب بريــر
جيش منتصر وشعب مقتدر.. ٧٢ عاماً من الفخر الخالد ..!
في سوق أم درمان، كل شيء له صوت، إلا الشيء المهم. هناك، بين أكوام الطماطم والليمون، بين صياح الباعة وبقايا الرايش، تجد رجلاً عجوزاً يجلس على كرسي مهترئ، عيناه تحدقان في فراغ، ويداه ترتعشان فوق كوب شاي ساخن. لا يبيع ولا يشتري، فقط يشرب الشاي وينظر. سألته ذات مرة عن سره، فابتسم ابتسامة عجوز خَبِرَ الدنيا، وقال: “أنا هنا لأتأكد إنو النيل لسه ماشي، والبحرية لسه حارسانا .”
لم أكن أعرف يومها أنه كان ضابطاً بحرياً متقاعداً، خدم في سلاح البحرية أيام كانت سفننا تجوب البحر الأحمر بكل شموخ. لم أكن أعرف أن جسده الذي يئن الآن، كان ذات يوم يحمل همّ الوطن. في اللحظة التي همست لي بحقيقة وجوده، أدركت أن تاريخ الجيش السوداني ليس في كتب ولا وثائق، بل في قلوب رجاله الذين خدموا دون ضجيج، ورحلوا تاركين خلفهم ظلالاً من المجد.
وهنا، في هذه المناسبة العظيمة، أستحضر أرواح أولئك الرجال.
ما يحدث اليوم باختصار هو أننا نقف على أعتاب الذكرى الثانية والسبعين لتأسيس جيشنا الباسل. اثنان وسبعون عاماً من الكفاح والتضحية، من حماية الحدود وذوداً عن حمى الوطن. اثنان وسبعون عاماً من العطاء الذي لا يُحصى، ومن الدماء التي روت تراب هذا البلد المبارك.
هذا ليس حديثاً عن ماضٍ مضى، بل هو تأمل في حاضر نعيشه ومستقبل نبنيه. إنه وقفة مع الذات السودانية، نعيد فيها اكتشاف قوتنا التي تتمثل في هذا الصرح العسكري الشامخ، هذا الدرع الذي حمى الوطن في أحلك الظروف وأصعب المحن.
يقول الناس إن الجيش السوداني وُلد في ١٩٢٥م كقوة دفاعية محدودة، لكنه نما وتطور مع تطور الوطن نفسه، ليصبح اليوم جيشاً عصرياً يُشار إليه بالبنان في المحافل الإقليمية والدولية. هذا صحيح، لكن ما لا يُرى هو أن هذا الجيش لم ينمُ بالأسلحة والتجهيزات فقط، بل نما بالإرادة والعزيمة، بالروح الوطنية التي تسكن وجدان كل جندي وضابط.
طبيعي، بعد هذا، أن نرى جيشاً يضرب أروع الأمثلة في التضحية والفداء. الجنود على الحدود الشرقية والغربية، في أحراش كسلا ورمال دارفور، على ضفاف النيل الأزرق وبحيرات الجنوب سابقاً. كلهم يروي قصة واحدة: قصة رجال لا تعرف الكلل، ولا تمل من العطاء.
لكن ما لا يُرى، هو أن هذا الأمن الذي نتمتع به، له ثمن باهظ يدفعه أولئك الشباب بعيداً عن أهليهم وأطفالهم.
انظر حولك: كم من أم سودانية تنتظر عودة ابنها من مهمة عسكرية؟ كم من طفل نشأ وهو يرى صورة والده في زيّه العسكري، ولا يعرف متى سيعود ليُعلّمه كيف يصطاد السمك في النيل؟ هذه التفاصيل الإنسانية هي الجوهر الحقيقي لتضحية الجيش، وهذا هو المعنى الذي يجب أن نتذكره كلما احتفلنا بهذه الذكرى.
الجيش السوداني كان ولا يزال مرآة للشعب السوداني بتنوعه وغناه. ترى في صفوفه الرجل من شمال السودان وجنوبه، من شرقه وغربه، من كل القبائل والعرقيات، يجمعهم وطن واحد، وهدف واحد: حماية هذا الوطن.
وهنا، تتجمع كل هذه الخيوط لتشير إلى حقيقة واحدة: أن الجيش السوداني ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل هو ضمير الأمة وحارس هويتها. عندما تنظر إلى جيشنا الباسل، فإنك تنظر إلى السودان بكل تاريخه وماضيه وحاضره ومستقبله.
في اللحظة التي نقف فيها نحيي ذكرى تأسيس هذا الصرح العظيم، يجب أن نستحضر التضحيات الجسام التي قدمها رجال الجيش السوداني.
من شهداء معركة كرري الذين سطروا أروع ملاحم البطولة، إلى أبطال حرب ١٩٦٧ الذين دافعوا عن كرامة الأمة العربية، إلى جنود حفظ السلام المنتشرين في بقاع الأرض المختلفة حاملين راية السلام باسم السودان. كل هؤلاء هم صنّاع أمجادنا، هم رسامو لوحة الوطن التي نفخر بها اليوم.
نحن لا نُهزم، نحن فقط نصل متأخرين إلى المعركة التي انتهت.
ترى، كم من مرة انتظرنا حتى تلوح في الأفق أزمات عظمى، ثم نلتفت إلى جيشنا الذي ظل صامداً كالطود الأشم؟ كم من مرة نسيناه في زمن الرخاء، ثم لجأنا إليه في زمن الشدائد؟
لكن اليوم، وفي هذه الذكرى العظيمة، نقول بصوت عالٍ وواضح: شكراً جيشنا الباسل. شكراً لكل جندي وضابط وصف ضابط. شكراً لكل أم أنجبت بطلاً، ولكل زوجة صبرت على فراق زوجها، ولكل طفل نام على صورة والده العسكرية. شكراً للروح الوطنية التي تسري في عروق هذا الجيش، والتي تجعله درعاً واقياً للوطن.
واليوم، أسأل كل سوداني وسودانية: ماذا قدمت لهذا الجيش الذي حمى أرضك وعرضك؟ هل وقفت مع جنوده في محنهم؟ هل ساندت أسرهم في غيابهم؟ هل افتخرت بهم كما يفتخرون بك؟
الذكرى الثانية والسبعون هي فرصة لتجديد العهد، عهد الولاء والانتماء لهذا الوطن الغالي، وعهد التقدير والوفاء لجيشنا الباسل الذي جعل السودان يحلق عالياً رغم كل التحديات. إنها لحظة تجديد الإيمان بقدرة هذا الجيش على حماية مكتسباتنا وصون سيادتنا.
واليوم، نتحرك معاً، جنباً إلى جنب مع جيشنا الباسل، نحو مستقبل أفضل. نحو سودان جديد يعمه السلام والازدهار، حيث يكون الجيش خادماً أميناً للشعب، وحارساً مخلصاً للوطن.
تحية إجلال وتقدير لكل شهيد سقط في سبيل العزة والكرامة، ولكل جندي يحرس حدودنا اليوم، ولكل من ساهم في بناء هذا الصرح العظيم. تحية للجيش السوداني في عيده الـ ٧٢، تحية من قلب كل سوداني يعشق ترابه وينبض بحبه.
بعد اخير:
خلاصة القول، كل عام وجيشنا العظيم مصدر فخر واعتزاز، وكل عام والسودان بألف خير، تحت ظل راية جيشه الباسل. وكل عام ونحن نستذكر هذه المناسبة العظيمة، عسى أن تكون دائماً ذكرى عز وفخر، ورمزاً لوحدة السودان وكرامته.
أخيرًا، في هذا اليوم، وفي كل يوم، يبقى الجيش السوداني هو العنوان الأبرز في قصة الوطن، والضمانة الأكيدة لبقائه واستمراره. وكلما مرت السنوات، سيزداد هذا الجيش قوة وعزة، وسيبقى دائماً في قلوب أبناء السودان، لأنه ليس مجرد جيش، بل هو روح هذا الوطن، وهويتنا الوطنية التي نفخر بها على مر الأزمان.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
