صورةٌ تختصر معنى السودان الجميل حين تتسع القلوب للاختلاف، يتسع الوطن للجميع بقلم : حسبو علي بخيت
صورةٌ تختصر معنى السودان الجميل
حين تتسع القلوب للاختلاف، يتسع الوطن للجميع
بقلم ✍: حسبو علي بخيت

ليست كلُّ صورةٍ تُلتقط بالعدسة، فبعض الصور تُلتقط بالقلوب، وبعضها لا يحفظ ملامح الوجوه فحسب، بل يحفظ ملامح وطنٍ بأسره، ويختصر في لحظةٍ واحدةٍ تاريخاً من المودة والتسامح والتراحم. ومن بين تلك الصور التي تستحق أن تُقرأ كما تُرى، هذه الصورة التي جمعت في منزل الشيخ أبوزيد محمد حمزة، رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية، كلاً من الشيخ الطيب الشيخ قريب الله، أحد رموز الطريقة السمانية، والشيخ عبدالقادر محمد هاشم الهدية، من كبار رموز الطريقة العزمية، في زيارةٍ كريمة للاطمئنان على صحة الشيخ أبوزيد بعد عودته من رحلة علاج خارج السودان.
إنها صورةٌ صغيرةٌ في حجمها، كبيرةٌ في معناها، عميقةٌ في دلالتها؛ صورةٌ لا تجمع أشخاصاً فحسب، وإنما تجمع قلوباً، ولا تقرّب بيوتاً فقط، بل تقرّب بين مدارس ومناهج واتجاهات فكرية قد تختلف في الرأي والطريق، لكنها تلتقي في أصول الأخوة والمحبة والإنسانية والوطن.
وما أحوج السودان اليوم إلى مثل هذه الصور!
ففي زمنٍ كثر فيه الاختلاف حتى كاد أن يتحول إلى خلاف، وكثر فيه الخلاف حتى كاد أن يصير خصومة، وكثرت الخصومة حتى أوشكت أن تهدم ما بنته أجيال من جسور الأخوة؛ تأتي هذه الصورة لتقول لنا في صمتٍ أبلغ من الكلام: اختلفوا في الفكر، ولا تختلفوا في الود؛ تباينوا في الرأي، ولا تتباينوا في الرحمة؛ تعددوا في المناهج، ولا تتعددوا في حب الوطن.
فليس الاختلاف في الرأي جريمة، ولا التباين في الفكر عداوة، ولا اختلاف المدارس والمناهج موجباً للقطيعة والهجران. وإنما البلاء كل البلاء أن يتحول الاختلاف من اختلاف أفكار إلى اختلاف قلوب، ومن تعدد اجتهادات إلى تباغض وشحناء، ومن تباين سياسي إلى خصومة اجتماعية، ومن خلاف قبلي إلى قطيعة رحم، حتى يصبح الوطن نفسه ساحةً يتنازع فيها أبناؤه، ويأكل بعضهم بعضاً، ويغلب بعضهم بعضاً، ويضيع الجميع.
ولقد كان السودان، في أجمل صفحاته وأصفى أيامه، بلداً تتجاور فيه القلوب وإن تباعدت المشارب، وتتلاقى فيه الأرواح وإن اختلفت الطرق، وتتصافح فيه الأيدي وإن تباينت الآراء.
وهذا من أجمل ما عُرف به السودانيون.
فالسوداني الأصيل لا يسأل أخاه قبل أن يكرمه: من أي قبيلة أنت؟ ولا يسأله قبل أن يواسيه: ما مذهبك؟ ولا يسأله قبل أن يفتح له بابه: مع من تقف سياسياً؟ وإنما يعرف أن الإنسان أخوه في الإنسانية، والمسلم أخوه في الدين، والسوداني أخوه في الوطن، وأن رابطة الوطن لا ينبغي أن تقطعها اختلافات السياسة، ولا أن تفسدها اختلافات الفكر، ولا أن تمزقها عصبيات القبيلة والجهة والمنطقة.
ومن هنا تأتي عظمة هذه الصورة؛ فهي تُعيد إلى الذاكرة معنىً سودانياً أصيلاً كادت صخبُ المعارك السياسية وضجيج الخصومات الفكرية أن تحجبه عن أعيننا.
فالشيخ أبوزيد، بما يمثله من مدرسةٍ فكرية، والشيخ الطيب الشيخ قريب الله، بما يمثله من إرثٍ صوفي عريق، والشيخ عبدالقادر الهدية، بما يحمله من امتدادٍ أسري وفكري له خصوصيته، يجتمعون في بيتٍ واحد، لا تجمعهم وحدة المنهج، وإنما تجمعهم وحدة الأخوة، وحرمة الإنسان، وحق المريض في السؤال، وحق الأخ على أخيه في الزيارة، وحق الوطن عليهم جميعاً في أن يظلوا متحابين متواصلين.
وفي هذا المشهد دلالةٌ أعمق حين نتذكر أن والد الشيخ عبدالقادر، الشيخ الهدية رحمه الله، كان من القيادات البارزة في جماعة أنصار السنة المحمدية؛ وهي حقيقة تزيد المشهد جمالاً، لأنها تذكّرنا بأن العلاقات الإنسانية أوسع من التنظيمات، وأن وشائج المجتمع أعمق من حدود التصنيفات، وأن الناس قد يختلفون في المواقف، لكنهم لا ينبغي أن يختلفوا في المروءة.
يا أهل السودان، إن الوطن لا يبنى على تطابق العقول، وإنما يبنى على ائتلاف القلوب.
ليس مطلوباً أن يفكر السودانيون جميعاً بعقلٍ واحد، ولا أن يسيروا جميعاً في طريقٍ واحد، ولا أن ينتموا إلى مدرسةٍ واحدة أو حزبٍ واحد أو قبيلةٍ واحدة؛ ولكن المطلوب أن يعرف كل واحدٍ منهم أن اختلافه لا يمنحه حق كراهية أخيه، وأن انتماءه لا يمنحه حق إقصاء غيره، وأن رأيه لا يجعله مالكاً للحقيقة وحده.
فكم من اختلافٍ أفسدته العصبية، وكم من رأيٍ أفسدته الخصومة، وكم من قضيةٍ عادلةٍ أضاعها سوء الخطاب، وكم من وطنٍ أرهقته أيدي أبنائه قبل أن تناله أيدي أعدائه!
إن السودان اليوم ليس بحاجة إلى مزيدٍ من المتخاصمين، بل إلى مزيدٍ من المتآخين؛ وليس بحاجة إلى من ينفخ في نار الفرقة، بل إلى من يسكب عليها ماء الحكمة؛ وليس بحاجة إلى من يرفع راية القبيلة فوق راية الوطن، ولا راية الحزب فوق راية السودان، ولا راية الفكر فوق راية الأخوة.
إنه بحاجة إلى رجالٍ ونساءٍ يعرفون أن الوطن أكبر من الحزب، وأبقى من السياسة، وأوسع من القبيلة، وأرحب من المدرسة الفكرية، وأعظم من الخلاف العابر.
وما أحوج أهل السياسة إلى أن يتعلموا من أهل المودة!
وما أحوج أهل الفكر إلى أن يتعلموا من أهل الرحمة!
وما أحوج أهل القبائل إلى أن يتذكروا أن الدم الذي يجري في عروق السودانيين واحدٌ في معنى الوطن، وأن الأرض التي تحمل خطى الجميع لا تفرق بين قبيلة وقبيلة، ولا بين جهة وجهة!
لقد أرهقتنا الخصومات، وأتعبتنا الاستقطابات، ومزقتنا الكلمات التي تُقال في لحظة غضب، ثم تبقى آثارها في النفوس أعواماً. فكم من كلمةٍ أشعلت فتنة، وكم من منشورٍ قطع رحماً، وكم من خطابٍ هدم جسراً كان يمكن أن يعبر عليه الوطن إلى بر الأمان.
فلنعد إلى السودان الذي يعرف العفو قبل العقوبة، والستر قبل التشهير، والحوار قبل الخصومة، والزيارة قبل القطيعة، والمصافحة قبل الملاسنة، والرحمة قبل الحكم على الآخرين.
يا أهل السودان الأوفياء، تعالوا إلى كلمةٍ سواء: أن نختلف دون أن نتباغض، وأن نتحاور دون أن نتقاتل، وأن نتنافس دون أن نتناحر، وأن نتباين دون أن نتقاطع، وأن نختلف في السياسة ولا نختلف في الوطن.
تعالوا نردّ للجار حق الجار، وللرحم حق الرحم، وللصديق حق الصداقة، وللخصم حق الإنسانية، وللوطن حقه علينا جميعاً.
تعالوا نجعل اختلافنا ثراءً لا فرقة، وتنوعنا قوةً لا ضعفاً، وتعددنا جمالاً لا قتالاً.
فالسودان لا يحتاج إلى سودانيين متشابهين، وإنما يحتاج إلى سودانيين متآخين.
ولا يحتاج إلى قلوبٍ لا تختلف، وإنما يحتاج إلى قلوبٍ لا تتباغض.
ولا يحتاج إلى ألسنةٍ لا تنتقد، وإنما يحتاج إلى ألسنةٍ تنتقد بأدب، وتختلف بأخلاق، وتحاور بحكمة.
إن المصالحة الوطنية لا تبدأ دائماً من قاعات المؤتمرات، فقد تبدأ من زيارة مريض، ومن مصافحة خصم، ومن اتصالٍ بعد انقطاع، ومن اعتذارٍ بعد إساءة، ومن كلمةٍ طيبةٍ تُقال في وقتٍ كثر فيه الكلام القاسي.
ولعل هذه الصورة واحدةٌ من تلك البدايات الصغيرة التي قد تصنع آثاراً كبيرة؛ لأنها تضع أمامنا نموذجاً حياً يقول إن الإنسان يستطيع أن يختلف مع أخيه في الفكر، ثم يجلس معه في مجلسٍ واحد، ويطمئن على صحته، ويدعو له بالعافية، ويخرج من عنده وقلبه صافٍ لا يحمل عليه غلاً ولا ضغينة.
ذلك هو السودان الذي نريد.
سودانٌ إذا اختلف أبناؤه في السياسة لم تختلف قلوبهم، وإذا تباينوا في الفكر لم تتباين أخلاقهم، وإذا تنافسوا في الرأي لم يتنازعوا في الأخوة، وإذا اختلفت قبائلهم ومناطقهم وأصولهم، اجتمعوا تحت راية وطنٍ واحد، وسماءٍ واحدة، وأرضٍ واحدة، ومصيرٍ واحد.
فليكن بيننا من المودة ما يكفي لعبور الخلاف، ومن الحكمة ما يكفي لإطفاء الفتنة، ومن الإيمان ما يكفي لكبح الغضب، ومن الوطنية ما يكفي لتقديم السودان على كل مصلحةٍ ضيقة.
فالوطن إذا انقسم أبناؤه، لم يبقَ لأحدٍ منهم وطن.
والسودان اليوم أحوج ما يكون إلى كلمةٍ تجمع ولا تفرق، وإلى يدٍ تصافح ولا تصفع، وإلى قلبٍ يعفو ولا يحقد، وإلى صوتٍ يطفئ ولا يشعل.
فيا أبناء السودان: تكاتفوا قبل أن تتكاثر عليكم المحن، وتعاضدوا قبل أن تتسع بينكم الفتن، وتراحموا قبل أن تقسو القلوب، وتصالحوا قبل أن يصبح الصلح حلماً بعيداً.
كونوا كما عرفكم الناس: أهل مروءةٍ وكرم، وأهل نجدةٍ وشهامة، وأهل نخوةٍ ورحمة، إذا اشتدت الخطوب اجتمعوا، وإذا نزلت الكوارث تعاضدوا، وإذا بكى الوطن مسحوا عن وجهه دموعه بأيدي المحبة والتآخي.
ولنجعل من هذه الصورة درساً لا ذكرى؛ ومن هذه الزيارة منهجاً لا مشهداً عابراً؛ ومن هذا اللقاء رسالةً إلى كل سوداني: إن أخاك الذي يخالفك ليس عدوك، وإن المختلف معك ليس خصماً لوطنك، وإن السياسة لا تستحق أن تفسد الأخوة، وإن الفكر لا يستحق أن يقطع الرحم، وإن القبيلة لا ينبغي أن تكون سكيناً في خاصرة الوطن.
فلنختلف، نعم؛ ولكن بأدب.
ولنتنافس، نعم؛ ولكن بشرف.
ولننتقد، نعم؛ ولكن بعدل.
ولنختلف سياسياً، نعم؛ ولكن لا نختلف وطنياً.
ولنختلف فكرياً، نعم؛ ولكن لا نختلف إنسانياً.
ولنختلف في الوسائل، ولكن لنتفق على الغاية الكبرى: سودانٌ آمنٌ، موحدٌ، مستقرٌ، مطمئنٌ، تسكنه المحبة قبل أن تسكنه البيوت.
إنها ليست صورةً عابرةً من صور الزيارة الاجتماعية، بل صورةٌ تختصر معنى السودان الجميل؛ السودان الذي تتصافح فيه الطرق وإن اختلفت، وتتآلف فيه القلوب وإن تباينت، وتلتقي فيه الأرواح وإن تعددت المشارب.
فليحفظ الله السودان وأهله، وليؤلف بين القلوب، وليجمع الكلمة، ويطفئ نار الفتنة، ويحقن الدماء، ويردّ الغائبين إلى ديارهم، ويجبر كسر المنكوبين، ويؤمّن الخائفين، ويعيد إلى الوطن عافيته وأمنه وأمانه واستقراره.
اللهم اجعل السودان دارَ سلامٍ لا دارَ خصام، ودارَ أمانٍ لا دارَ خوف، ودارَ مودةٍ لا دارَ بغضاء، واجمع أهله على الخير، وألّف بين قلوبهم، واجعل اختلافهم رحمة، وتنوعهم قوة، وتكاتفهم نجاة، وتعاضدهم سبيلاً إلى وطنٍ واحدٍ آمنٍ مطمئن.
فالسودان لنا جميعاً،
والسوداني للسوداني سندٌ وعضد،
والوطن أكبر من خلافاتنا،
وأبقى من خصوماتنا،
وأغلى من كل رايةٍ لا تجمعنا.
ولعل صورةً واحدةً كهذه تذكّرنا بما ينبغي ألا ننساه أبداً:
أن السودان لا ينقصه اختلافُ الأفكار، وإنما ينقصه ائتلافُ القلوب.
