عندما لاح النصر.. من يريد إيقاف الحرب، ومن يريد إيقاف نتائجها؟ ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
عندما لاح النصر..
من يريد إيقاف الحرب، ومن يريد إيقاف نتائجها؟
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

حين كانت المدن تحترق، والبيوت تنهب، والمواطنون يهجرون قسرا، ومؤسسات الدولة تتعرض للتدمير، لم تكن كلمة “الهدنة” حاضرة بهذا الزخم السي
وحين كانت الحرب تتمدد، وتتسع دوائر النزوح، ويثقل الخراب كاهل السودانيين، لم تكن الدعوات إلى مخاطبة مجلس الأمن والمجتمع الدولي تتحرك بهذه السرعة.
لكن عندما بدأت موازين الميدان تتغير، وبدأت الدولة تستعيد مساحات من حضورها، ارتفعت فجأة أصوات تطالب بهدنة فورية وشاملة.
وهنا لا يكون السؤال: هل نرفض السلام؟
فالسلام مطلب كل عاقل، وحق كل مواطن، وضرورة لكل وطن أنهكته الحرب.
إنما السؤال الأهم:
لماذا الآن؟ وبأي شروط؟ وإلى أي نهاية؟
فبحسب ما أعلنته قوى سودانية مناهضة للحرب عقب اجتماعاتها في أديس أبابا، فإنها تعتزم مخاطبة القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، إلى جانب مجلس الأمن والمجتمعين الإقليمي والدولي، بمقترحات تتضمن خفض التصعيد وإقرار هدنة إنسانية فورية وشاملة تمهد لوقف إطلاق النار وعملية سلام.
وهذا الطرح، في ظاهره، يستند إلى غاية إنسانية لا يختلف عليها اثنان.
لكن السياسة لا تقرأ النوايا وحدها.
السياسة تقرأ التوقيت، وموازين القوة، والضمانات، وما سيحدث في اليوم التالي.
وهنا يجب التفريق بين مفاهيم كثيرا ما تخلط في الخطاب العام.
فالهدنة إجراء مؤقت لوقف القتال.
ووقف إطلاق النار ترتيب أوسع يحتاج إلى رقابة وضمانات.
أما السلام، فهو بناء سياسي وقانوني وأمني يعالج أسباب الحرب ويمنع تكرارها.
وهذا الفرق جوهري.
لأن الهدنة إذا لم تكن جزءا من مسار واضح نحو إنهاء مظاهر التسلح خارج الدولة، فقد تتحول من فرصة لإنقاذ المدنيين إلى فرصة لإعادة التموضع والتسليح وترتيب الصفوف.
وعندها نكون قد أوقفنا صوت الرصاص مؤقتا، لكننا لم نوقف الحرب.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي حديث عن الهدنة هو:
ماذا سيحدث للسلاح بعدها؟
هل ستقود العملية إلى دولة واحدة؟
إلى جيش وطني واحد؟
إلى قيادة عسكرية واحدة؟
إلى قانون واحد وسلطة واحدة؟
أم ستعيد إنتاج واقع تكون فيه داخل الدولة قوى مسلحة متوازية، لكل منها قيادتها ونفوذها ومشروعها؟
هذه ليست مسألة عسكرية فقط.
إنها جوهر فكرة الدولة نفسها.
فالدولة الحديثة تقوم، من بين ما تقوم عليه، على احتكار القوة المنظمة والخاضعة للقانون. وأي سلام يسمح ببقاء السلاح خارج هذه القاعدة، لا يؤسس لاستقرار، وإنما يؤجل انفجارا جديدا.
ومن هنا، فإن حماية المدنيين واجب عاجل لا يجوز المساومة عليه.
ويجب فتح الممرات الإنسانية، وتأمين الغذاء والدواء، وحماية النازحين، وتهيئة الظروف لعودة المواطنين إلى مناطقهم.
لكن الإنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى ستار سياسي يعيد تدوير الأزمة.
فالمدني السوداني لا يحتاج فقط إلى يوم بلا رصاص، بل يحتاج إلى وطن لا يعود فيه الرصاص مرة أخرى.
أما مخاطبة مجلس الأمن والمجتمع الدولي، فهي ليست في ذاتها خطأ سياسيا، ولكنها تصبح محل تساؤل عندما يسبق الخارج الداخل، وعندما تناقش مستقبل الدولة السودانية في العواصم الأجنبية أكثر مما يناقش داخل السودان.
فالسودان ليس ملفا على طاولة دولية.
السودان وطن.
وشعبه ليس متلقيا لنتائج التسويات، بل صاحب الحق الأول في تحديد شكل دولته ومستقبلها.
أما الحديث عن “عدم الاصطفاف”، فيحتاج هو الآخر إلى مراجعة فلسفية.
فالحياد قيمة محترمة حين يكون بين خصمين سياسيين متكافئين داخل إطار الدولة.
لكن عندما يصبح السؤال متعلقا بوحدة الدولة، واحتكارها للسلاح، ومستقبل مؤسساتها، فإن الوقوف في منتصف الطريق لا يكون دائما حكمة.
فليس كل تموضع بين طرفين موقفا محايدا، وليس كل مسافة متساوية موقفا عادلا.
نحن نريد السلام.
ونريد وقف الدم.
ونريد عودة كل سوداني إلى منزله.
لكننا نريد سلاما ينهي أسباب الحرب، لا هدنة تحفظها.
ونريد عملية سياسية سودانية المرجعية، تستفيد من المجتمع الدولي ولا تستبدل به الإرادة الوطنية.
وعندما لاح النصر وارتفعت الدعوات إلى الهدنة، فمن حق السوداني أن يسأل كل من يحمل مبادرة:
هل تريدون إيقاف الحرب؟
أم تريدون إيقاف نتائجها؟
فإن كان المقصود سلاما يعيد للدولة سيادتها، وللمواطن أمنه، وللقانون سلطانه، ويضع السلاح تحت راية وطنية واحدة، فمرحبا بكل جهد صادق.
أما إذا كانت الهدنة مجرد استراحة تعيد الأزمة إلى نقطة البداية، فقد دفع السودان من الدم والخراب ما يكفي.
فالمشكلة ليست في أن تصمت البنادق، بل في شكل الدولة التي ستنهض بعد صمتها؛ فالهدنة التي لا تعيد السلاح إلى سلطان الدولة قد توقف المعركة، لكنها لا تنهي الحرب.
