السودان الثالث. . شرعية تنمو مع السلام ولا تصنعها الحرب د. الشاذلي عبداللطيف
السودان الثالث.
. شرعية تنمو مع السلام ولا تصنعها الحرب
✍️د. الشاذلي عبداللطيف

أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس الحرب وحدها، بل الطريقة التي سنخرج بها منها. فقد تتوقف المعارك يوما، لكن إذا خرجنا منها بتسوية ناقصة أو بنظام يعيد إنتاج المظالم القديمة، فإننا نكون قد أوقفنا حربا وفتحنا الطريق لحرب أخرى.
ولهذا فإن الجدل حول أولوية الحسم العسكري أو الحوار السياسي يحتاج إلى سؤال أعمق: من يملك حق اتخاذ القرارات المصيرية بشأن مستقبل السودان بينما أجزاء واسعة من البلاد تعيش الحرب والنزوح واللجوء؟
من الخطأ أن ننتظر نهاية القتال في كل السودان حتى تبدأ السياسة، لأن الحروب قد تطول، ولا يجوز أن تصبح البندقية صاحبة الحق في تحديد موعد عودة الدولة إلى حياتها السياسية. وفي المقابل، من الخطأ أن تنفرد القوى الموجودة في المناطق الأكثر استقرارا بصناعة دستور أو نظام حكم أو ترتيبات نهائية، ثم تطلب من الآخرين الالتحاق بدولة لم يشاركوا في تأسيسها.
هنا تبرز فكرة الشرعية الوطنية المتدرجة؛ وهي نموذج انتقالي لبناء السلطة في ظروف الحرب، تتناسب فيه صلاحيات الحكم مع اتساع المشاركة الوطنية الفعلية. فهي تبدأ بشرعية الضرورة لإدارة الدولة وحمايتها، وتتسع بشرعية المشاركة، ولا تكتمل إلا بشرعية التأسيس الوطني الشامل.
وبهذه القاعدة يمكن إنشاء إدارة انتقالية محدودة الصلاحيات تتولى حفظ مؤسسات الدولة، وإدارة الاقتصاد والخدمات، وتسهيل العمل الإنساني، وتهيئة البلاد للاستقرار، لكنها تظل سلطة ضرورة لا سلطة تأسيس.
فلا يحق لها منفردة إصدار دستور دائم، أو حسم الشكل النهائي للحكم، أو تقرير التوزيع الدائم للثروة والموارد، أو رسم العلاقة النهائية بين المركز والأقاليم، أو اتخاذ قرارات مصيرية تحدد شكل الدولة لأجيال قادمة.
والقاعدة الدستورية هنا واضحة:
كلما نقص التمثيل الوطني ضاقت الصلاحيات التأسيسية، وكلما اتسعت المشاركة اتسعت الشرعية.
ولا تعني هذه الرؤية إضعاف المسار الأمني أو تجاوز مقتضيات حماية الدولة، بل تعني الفصل بين واجب حماية الدولة وبين حق الشعب في تأسيس نظامه السياسي. ويمكن أن تسير المسارات الأمنية والإنسانية والسياسية بالتوازي، بشرط ألا تتحول الترتيبات المؤقتة إلى أمر واقع دائم، وألا تستخدم الحرب ذريعة لإقصاء المجتمعات التي دفعت أثمانها الأكبر.
أما المناطق التي تمنعها الحرب من المشاركة، فلا يسقط حقها بسبب غيابها القسري. بل يجب حفظ حقها في التمثيل حتى تتمكن مجتمعاتها من اختيار من يمثلها فعلا.
فدارفور ليست حركة، وكردفان ليست قائدا، والنيل الأزرق ليس تنظيما. الإقليم هو مجتمعه بكل تنوعه: النازحون واللاجئون، النساء والشباب، الإدارات الأهلية، المهنيون، القوى المدنية والسياسية والاجتماعية، إلى جانب القوى المسلحة الموجودة فيه.
ومن هنا ينبغي أن تتمدد السياسة مع السلام.
كل منطقة تستعيد قدرا من الأمن تبدأ مشاوراتها المحلية، وتحدد أولوياتها، وتختار ممثليها، ثم تلتحق تدريجيا بالمسار الوطني. وهكذا تتقدم السياسة كلما تراجعت الحرب، دون أن ننتظر نهاية آخر طلقة، ودون أن يسبق المركز سكان الأقاليم إلى تقرير مستقبلهم.
ويمكن كذلك التفكير في بناء سياسي يقوم على مجلس وطني يمثل السكان والإرادة العامة، ومجلس للأقاليم يحمي التوازن الجغرافي، على أن تحتاج القرارات المصيرية إلى أغلبية وطنية وأغلبية إقليمية معا.
ثم، بعد اتساع المشاركة، ينعقد المؤتمر التأسيسي السوداني لمناقشة الدستور، ونظام الحكم، والثروة، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار، وبناء مؤسسات الدولة.
بهذا نخرج من الثنائية القديمة: الحسم أولا أم الحوار أولا؟
ونصل إلى قاعدة وطنية أكثر عدلا:
لا إقصاء بسبب الحرب، ولا تعطيل للوطن بسبب الحرب، ولا تأسيس نهائي للدولة دون مشاركة جميع أقاليم السودان ومجتمعاته.
ذلك هو السودان الثالث الذي نحتاجه: دولة لا تصنعها النخب وحدها، ولا تفرضها البندقية، ولا تعيد إنتاج المركز القديم.
إنقاذ الدولة يبدأ الآن، أما تأسيسها فيجب أن يكون بإرادة السودان كله.
