منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

كسلا.. حين يصبح اليأس صرخة ================= ✍️*كتب/ حسن البصير*

0

كسلا.. حين يصبح اليأس صرخة
=================

✍️*كتب/ حسن البصير*

▪️لم يكن المشهد الذي جرى فوق أبراج الضغط العالي في كسلا مجرد فيديو عابر تتناقله الهواتف، بل كان صرخة إنسان وصل إلى حافة اليأس. شاب وجد نفسه في مواجهة ظروف قاسية، وضيق اقتصادي، وانسداد في الأفق، وربما أزمات نفسية لا يعرف تفاصيلها أحد. لذلك، فإن التعامل مع مثل هذه الحوادث يجب ألا يبدأ باللوم والتصوير، بل بالسؤال عن الإنسان الذي يقف خلفها: ماذا أوصله إلى هنا؟ ومن كان يمكن أن يسمعه قبل أن يصل إلى هذه اللحظة؟
صحيح أن الانتحار محرّم في الإسلام، لكن الحديث عن التحريم وحده لا يعالج الأسباب التي تدفع بعض الناس إلى التفكير فيه.
▪️الدين يمنح الإنسان معنى وأملًا، ويحث على الصبر والتكافل وحفظ النفس، لكنه لا يلغي حقيقة أن الإنسان قد يمر بمرض نفسي أو أزمة شديدة تؤثر في قدرته على التفكير واتخاذ القرار. الاكتئاب الحاد والاضطرابات النفسية ليست دائمًا دليلًا على ضعف الإيمان، كما أن طلب المساعدة من طبيب أو مختص نفسي لا يتعارض مع التوكل على الله.
▪️المشكلة أكبر من حادثة فردية. شباب السودان يواجهون واقعًا اقتصاديًا وأمنيًا واجتماعيًا بالغ القسوة، وفي مثل هذه الظروف تصبح البطالة والفقر والعزلة وفقدان الأمل عوامل خطرة، خصوصًا عندما يجد الشاب نفسه بلا عمل، ولا دخل، ولا جهة يلجأ إليها. لذلك فإن الوقاية لا تكون بالمواعظ وحدها، ولا بالعقوبات وحدها، وإنما ببناء شبكة حماية حقيقية تبدأ من الأسرة والمدرسة والحي، وتمتد إلى المساجد والمجتمع والمؤسسات الحكومية.
▪️ومن الضروري أن تتعامل السلطات مع مثل هذه الحوادث باعتبارها أيضًا قضية سلامة عامة؛ بتأمين أبراج ومحطات الكهرباء، ومنع الوصول السهل إلى المناطق الخطرة، وتدريب فرق الطوارئ على التدخل في أزمات الانتحار، وإنشاء خطوط أو نقاط مساعدة نفسية يمكن الوصول إليها بسرية وبتكلفة بسيطة. وفي الوقت نفسه، يحتاج الشباب إلى برامج تشغيل وتدريب مهني ومشروعات صغيرة، لأن استعادة الإحساس بالقدرة على العمل والإنتاج قد تكون جزءًا مهمًا من استعادة الأمل.
أما المجتمع، فعليه أن يتوقف عن تحويل ألم الآخرين إلى مادة للسخرية والتصوير. أحيانًا تكون كلمة رحيمة أو صديق يصغي أو شخص يمد يده في اللحظة المناسبة سببًا في إنقاذ حياة.
▪️الحمد لله أن حادثة كسلا انتهت بالإنقاذ. ولعل رسالتها الأهم أن إنقاذ الإنسان لا يبدأ عند حافة البرج، بل يبدأ قبل ذلك بكثير: بالسؤال، والاستماع، والعلاج، والعمل، والرحمة. فالشباب ليسوا عبئًا على المجتمع، بل جزء أساسي من مستقبله، وحماية حياتهم مسؤولية الجميع.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.