الجنيه السوداني.. من أضعفه ومن يربح من ضعفه؟ ========================== د. الشاذلي عبداللطيف
الجنيه السوداني.. من أضعفه ومن يربح من ضعفه؟
==========================
✍️د. الشاذلي عبداللطيف

كيف لبلد يملك الذهب والأرض والمياه والموانئ والثروة الحيوانية والموقع الاستراتيجي أن تتراجع عملته بهذه القسوة أمام الدولار؟ هذا السؤال، في تقديري، أهم من مجرد متابعة سعر الصرف كل صباح، لأنه ينقلنا من وصف الأزمة إلى البحث عن جذورها، ومن الخوف من الأرقام إلى مساءلة السياسات والمصالح.
الجنيه ليس مجرد ورقة نقدية؛ إنه أحد مؤشرات سيادة الدولة وثقة مواطنيها في اقتصادها. وحين يفقد الجنيه قيمته، لا يخسر البنك المركزي وحده، بل تتآكل الرواتب والمدخرات، وترتفع تكلفة الغذاء والدواء، ويصبح المواطن هو الممول الصامت للأزمة.
اقتصاديا، نحن أمام اقتصاد حرب. والحرب لا تهدم المباني فقط، بل تعيد تشكيل الاقتصاد كله: تعطل الإنتاج، تقلل الصادرات، ترفع الإنفاق العام، تربك المصارف، تدفع رؤوس الأموال إلى الهروب، وتزيد الإقبال على الدولار والذهب باعتبارهما مخزنا للقيمة. وحين يقل المعروض من النقد الأجنبي بينما يظل الطلب عليه مرتفعا لتمويل الواردات، يصبح الضغط على الجنيه نتيجة منطقية.
لكن المسألة أعمق من معادلة العرض والطلب.
هناك الذهب، وحصائل الصادرات، والتهريب، والسوق الموازي، والمضاربة، والأموال التي تتحرك خارج الجهاز المصرفي. والسؤال الوطني هنا ليس: كم ننتج؟ بل: كم من قيمة ما ننتجه يعود فعليا إلى الاقتصاد السوداني؟
ومن هنا أقترح الانتقال من نظرية المؤامرة إلى نظرية المستفيد.
من يربح من ضعف الجنيه؟
من يربح من تهريب الذهب؟
من يربح من خروج حصائل الصادرات خارج النظام المصرفي؟
ومن تتقاطع مصلحته، داخليا أو خارجيا، مع بقاء السودان ضعيفا ومحتاجا إلى النقد الأجنبي؟
هذه ليست اتهامات مرسلة، بل أسئلة اقتصادية يجب أن تجيب عنها الدولة بالأرقام والتحقيقات والشفافية. فالخارج تحكمه المصالح، وأي طرف يجد منفعة في السودان الضعيف سيحمي مصلحته ما لم تحم الدولة السودانية مصالحها أولا. أما الداخل، فقد يكون أخطر ما يهدد الاقتصاد فيه الفساد، والتهريب، والاحتكار، وتضارب السياسات، وضعف المؤسسات، وغياب المساءلة.
والأخطر من ارتفاع الدولار هو الدولرة النفسية؛ أن يبدأ المواطن والتاجر في التفكير بالدولار، وتسعير الممتلكات به، وحفظ المدخرات بعيدا عن الجنيه. عندها لا تعود الأزمة مجرد سعر صرف، بل أزمة ثقة في وظيفة العملة الوطنية نفسها.
ثم يأتي السؤال الذي لا ينبغي أن نهرب منه: كم مؤتمرا اقتصاديا، وملتقى، وورشة، ولجنة، ودراسة عقدت في السودان عبر العقود لمناقشة سعر الصرف والإنتاج والاستثمار والصادرات والإصلاح المصرفي؟ وأين مخرجاتها؟ كم توصية تحولت إلى قرار؟ وكم قرار تحول إلى تنفيذ؟ وكم أنفقت الدولة على تلك المؤتمرات والاستشارات والإعداد والسفر والإقامة؟
لا يجوز أن نضع أرقاما بلا توثيق، ولكن من حق المواطن أن يطلب من الدولة نشر هذه البيانات للرأي العام. والأجدى إنشاء سجل وطني معلن للمؤتمرات الاقتصادية يوضح تكلفتها وتوصياتها والجهات المسؤولة عن التنفيذ، وما تحقق منها بعد عام أو خمسة أعوام. فالمال العام الذي أنفق على التفكير يجب أن يقابله حساب عام عن النتائج.
وقد نكتشف عندها أن أزمتنا ليست فقرا في الأفكار، بل فقرا في التنفيذ والاستمرارية والمساءلة.
نعم، الشائعة تضر، والخوف يضغط على السوق، والمعلومة الكاذبة قد تدفع الناس إلى الدولار. لكن الشائعة لا تستطيع وحدها أن تهزم عملة تقف خلفها دولة منتجة، وصادرات قوية، وجهاز مصرفي فاعل، وسياسات مستقرة.
لذلك فالوطنية الاقتصادية ليست أن نطالب المواطن بأن يحب الجنيه، بل أن نبني اقتصادا يجعله يثق في الجنيه.
نريد إنتاجا أكبر، وصادرات أكثر انضباطا، وحصائل تعود عبر الجهاز المصرفي، وإنفاقا عاما رشيدا، ومحاربة حقيقية للتهريب والفساد، وشفافية تجعل الناس يعرفون أين المشكلة وكيف تعالج.
وإذا كانت هناك حرب اقتصادية على السودان، فإن الرد عليها لا يكون بالشعارات وحدها، بل ببناء اقتصاد يصعب اختراقه.
فالجنيه لا يستعيد هيبته بالخطب، وإنما حين تقف خلفه دولة تنتج، وتحمي مواردها، وتحاسب من يعبث بها.
معركة الجنيه ليست معركة دولار وجنيه فقط؛ إنها معركة سيادة وكرامة واستقلال اقتصادي.
السودان أولا.. والاقتصاد الوطني حصن من حصون السيادة.
