منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

السودان وسؤال الدولة كيف نصنع وحدة لا تحتاج إلى الإكراه؟ =============== ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

0

السودان وسؤال الدولة

كيف نصنع وحدة لا تحتاج إلى الإكراه؟
===============
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

أخطر ما تواجهه الأمم في لحظات التحول التاريخي ليس ضعف الدولة وحده، بل الخطأ في تعريف أزمتها. فإذا كان الخلل في بنية الدولة، فلن يعالجه مجرد تغيير الحكومات، وإذا كانت المشكلة في فلسفة الحكم، فلن يكفي تبديل الأشخاص والشعارات. ومن هنا فإن أزمة السودان ليست فيمن يحكم فقط، بل في طبيعة العلاقة بين الدولة والسلطة والمجتمع.
منذ الاستقلال ظل السؤال السياسي الغالب: من يحكم السودان؟ بينما كان السؤال الأعمق والأكثر حسما: كيف يحكم السودان، وكيف توزع السلطة والثروة والاختصاصات بين المركز والأقاليم؟
وهنا يظهر الفرق بين إدارة السلطة وبناء الدولة.
الفدرالية الحقيقية ليست زيادة عدد الولايات والمناصب، ولا نقل المكاتب من العاصمة إلى الأقاليم، وإنما هي توزيع الاختصاصات الدستورية والموارد والمسؤوليات بما يجعل المواطن أقرب إلى القرار والخدمة والمساءلة. أما إذا تغير الشكل الإداري وبقي القرار السياسي والاقتصادي محتجزا في المركز، فنحن لا نكون أمام فدرالية مكتملة، بل أمام مركزية أعادت إنتاج نفسها بثوب جديد.
والحكم الذاتي بدوره ليس منحة سياسية ولا امتيازا إثنيا، وإنما صيغة دستورية متقدمة لإدارة التنوع. غير أن الخطر يبدأ حين نهدم مركزا بعيدا، ثم نبني داخل الإقليم مركزا جديدا يحتكر السلطة والثروة.
فليس كل تفكيك للمركزية ديمقراطية؛ فقد نهدم مركزا واحدا وننشئ عدة مراكز صغيرة للاستبداد.
ولهذا يجب أن يقوم أي حكم ذاتي على المواطنة المتساوية، وحماية التنوع، وضمان حقوق جميع المكونات داخل الإقليم، لا على الغلبة العددية أو الامتياز التاريخي أو احتكار الأرض والسلطة.
أما تقرير المصير، فلا ينبغي اختزاله في الانفصال وحده. ففي الفكر الدستوري هناك تقرير المصير الداخلي في إطار الدولة الواحدة، ويعني تمكين المجتمعات من المشاركة السياسية، وإدارة شؤونها، وصياغة علاقتها
بالمركز ضمن عقد دستوري عادل؛ وهناك تقرير المصير الخارجي الذي يرتبط بالاستقلال والانفصال في ظروف استثنائية.
وما يحتاجه السودان اليوم هو تعزيز المعنى الأول: أن يشعر الناس بأنهم شركاء في تحديد شكل دولتهم، وفي توزيع السلطة والثروة، وفي صناعة مستقبلهم.
أما الكونفدرالية، فلا يمكن أن تكون بديلا سحريا لدولة لم تحسم سؤالها الداخلي؛ لأن الاتحادات لا تنجح بالأسماء، بل بالثقة والمؤسسات والمصالح المشتركة.
إن السودان بعد الحرب لا يحتاج إلى مجرد ترميم للدولة القديمة، بل إلى لحظة تأسيس جديدة تقوم على معادلة واضحة: دولة واحدة، وسيادة واحدة، ومواطنة واحدة، يقابلها تعدد واسع في مستويات الحكم والثقافات والخصوصيات المحلية.
فالسلام ليس إسكات البنادق وحده، والوحدة ليست بقاء الحدود على الخريطة.
أزمة السودان الحقيقية أن الدولة لم تنجح بعد في تحويل التنوع من صراع على السلطة إلى شراكة في الوطن.
والسؤال الذي سيحدد المستقبل ليس: كيف نمنع الانفصال؟
بل:
كيف نبني دولة تجعل السودانيين يريدون البقاء فيها؟

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.