الدولة التي تدخل حربًا لا تملك رفاهية أن تُدار بعقلية السلم، ولا بعقلية ردود الأفعال، ولا بالعفوية والسذاجة. السودان إلى أين ؟ كوداويات ✍️ محمد بلال كوداوي
الدولة التي تدخل حربًا لا تملك رفاهية أن تُدار بعقلية السلم، ولا بعقلية ردود الأفعال، ولا بالعفوية والسذاجة.
السودان إلى أين ؟
كوداويات
✍️ محمد بلال كوداوي

الدولة في الحرب تعلن اقتصاد حرب وطوارئ.
تعيد ترتيب كل أولوياتها.
تحشد مواردها.
تضع يدها على مفاصل الإنتاج الاستراتيجية. تقلص الإنفاق الإداري غير الضروري.
توقف كل مظاهر البذخ والترف الحكومي. تضرب الفساد بلا رحمة.
تطارد التهريب والاحتكار والمضاربة.
وتوجه كل جنيه وكل مورد نحو المعركة وبقاء الدولة وحماية المواطن.
أما في السودان، فالمأساة أن الحرب مستعرة، لكن إدارة الدولة للاقتصاد لا تزال تتحرك وكأن البلاد في ظروف طبيعية.
الحرب مستمرة ضد الجنجويد، وفي الوقت نفسه حرب الاقتصاد ينهش في جسد الدولة والمواطن.
وهنا يجب أن نتحدث بوضوح، بلا مجاملة ولا تجميل:
المواطن السوداني هو الذي دفع الثمن الأكبر لهذه الحرب.
دفعه من دمه، ومن أمنه، ومن بيته، ومن ماله، ومن مصدر رزقه.
تحمل القتل والنهب والتشريد والنزوح والاغتصاب والفقر وفقدان الممتلكات وانهيار الأعمال وضياع المدخرات.
ملايين السودانيين خرجوا من بيوتهم تحت القصف والخوف، وتحولوا إلى نازحين ولاجئين، يبحثون عن مكان آمن وعن لقمة عيش ودواء.
ثم، وكأن كل ذلك لم يكن كافيًا، يجد المواطن نفسه اليوم أمام وزر آخر:
وزر سوء الإدارة.
نعم، المواطن الذي تحمل وزر الحرب يُطلب منه الآن أن يتحمل أيضًا وزر الفشل الاقتصادي وسوء الإدارة وغياب الرقابة.
يدفع ثمن الحرب مرتين.
مرة عندما تقتله الحرب أو تشرده أو تنهب ماله.
ومرة عندما تطحنه الأسعار والضرائب والجبايات والرسوم وانهيار قيمة العملة وسوء الخدمات.
أي عقل هذا الذي يدير دولة في حالة حرب بهذه الطريقة؟
التعدين العشوائي مستمر.
تهريب الذهب مستمر.
استنزاف الموارد مستمر.
الفساد مستمر.
الجبايات مستمرة.
الأسعار تواصل الارتفاع.
الاحتكار والمضاربة ينهشان السوق.
وشركات الاتصالات تستنزف جيوب المواطنين.
وبعض المؤسسات تتعامل مع المواطن بإجراءات ورسوم وشروط وكأن السودان دولة مستقرة، وكأن المواطن يعيش في رفاهية، وكأن الحرب مجرد خبر في نشرة المساء.
هل يعقل هذا؟
هل يعقل أن تكون الدولة في حرب، ثم تترك مواردها الاستراتيجية نهبًا للفوضى والتهريب؟
هل يعقل أن تكون الدولة في حرب، ثم يستمر الفساد وكأن الحرب لا تعني شيئًا؟
هل يعقل أن يكون المواطن قد فقد منزله وعمله وأمانه، ثم يأتي من يطالبه بمزيد من الجبايات والرسوم؟
هل يعقل أن يُطلب من المواطن الصبر والتضحية، بينما يرى أمامه أثرياء الحرب وهم يزدادون ثراءً من الفوضى؟
هذا ليس اقتصاد حرب ، هذا استنزاف للمواطن تحت غطاء الحرب.
اقتصاد الحرب لا يعني أن تجعل المواطن الفقير ماكينة جباية.
اقتصاد الحرب يعني أن تبدأ الدولة بنفسها.
تخفض الإنفاق غير الضروري.
توقف البذخ.
تغلق أبواب الهدر.
تحارب الفساد.
تضبط التعدين.
تمنع تهريب الذهب.
تحاصر الاحتكار.
تضبط الأسواق.
تراقب الأسعار.
تحمي الإنتاج.
وتحاسب كل من يستغل الحرب لتحقيق ثروة خاصة.
أما أن تكون الدولة عاجزة عن ضبط مواردها، ثم تمد يدها إلى جيب المواطن، فهذا ليس سياسة اقتصادية.
هذا تحميل للضعيف تكلفة عجز الأقوياء.
المواطن السوداني لم يختر هذه الحرب.
لم يشعلها.
لم ينهب الذهب.
لم يهرب العملة.
لم يحتكر السلع.
لم يرفع الأسعار.
لم ينهب المال العام.
فلماذا يكون هو دائمًا الطرف الذي يدفع الفاتورة؟
لماذا يدفع المواطن ثمن جريمة لم يرتكبها؟
لقد تحمل القتل، فلا تقتلوه اقتصاديًا.
تحمل النزوح، فلا تطاردوه بالجبايات.
تحمل النهب، فلا تجعلوه فريسة لنهب اقتصادي جديد.
تحمل الفقر، فلا تزيدوا فقره بسياسات مرتجلة.
تحمل الحرب، فلا تجعلوا سوء الإدارة حربًا أخرى عليه.
والأخطر من ذلك أن استمرار هذه الطريقة في إدارة الاقتصاد لا يضر المواطن وحده، بل يهدد قدرة الدولة نفسها على الصمود والانتصار.
الدولة التي تفقد السيطرة على مواردها أثناء الحرب تضعف قدرتها على تمويل المجهود الحربي.
والدولة التي تسمح بالتهريب والفساد والاحتكار تستنزف اقتصادها من الداخل.
والدولة التي تجعل المواطن ينهار تحت الغلاء تفقد ثقة شعبها.
الحرب ليست بندقية فقط. الحرب اقتصاد وموارد وإدارة وانضباط.
ولذلك فإن المطلوب ليس المزيد من التصريحات.
المطلوب قرار حقيقي باقتصاد حرب حقيقي.
قرار يضع مصلحة الدولة فوق مصالح الأفراد.
قرار يضع موارد البلاد تحت رقابة الدولة.
قرار يضرب الفساد والتهريب والاحتكار.
قرار يوقف العبث بالموارد.
قرار يعيد ترتيب مؤسسات الدولة وفق ضرورات الحرب.
وقرار يجعل المواطن، الذي تحمل كل هذه المأساة، أولوية وليس مصدرًا لتمويل عجز الإدارة.
لا يمكن أن نخوض حربًا عسكرية ضد الجنجويد، ثم نترك الاقتصاد مفتوحًا أمام مافيا الفساد والتهريب والاحتكار وأثرياء الحرب.
ولا يمكن أن نطالب الشعب بالتضحية بينما يرى بعض الناس يحولون كارثة البلاد إلى فرصة للثراء.
إذا كانت هناك حرب، فلتكن هناك دولة حرب.
وإذا كانت هناك حالة طوارئ، فلتكن طوارئ حقيقية لا شعارًا.
وإذا كان المطلوب من المواطن أن يصبر ويضحي، فليبدأ أصحاب القرار وأصحاب النفوذ وأصحاب المال أولًا.
المواطن السوداني استُنزف إلى آخر حدود الاحتمال، لا تطلبوا منه أن يدفع أكثر.
اطلبوا ممن نهبوا الدولة أن يعيدوا إليها ما نهبوه.
اطلبوا من المهربين أن يتوقفوا.
اطلبوا من الفاسدين أن يحاسبوا.
اطلبوا من المحتكرين أن يكفوا عن استغلال حاجات الناس.
اطلبوا من مؤسسات الدولة أن تقوم بواجبها.
فالذي تحمل وزر الحرب لا يجوز أن يتحمل وحده وزر سوء إدارتها.
نحن نريد الانتصار في الميدان، نعم.
لكننا نريد أيضًا دولة تعرف كيف تدير مواردها، وتحمي اقتصادها، وتحفظ كرامة مواطنيها.
وإلا فما قيمة أن ننتصر على العدو في الميدان، ثم نترك الفوضى والفساد وسوء الإدارة تنهش الدولة من الداخل؟
هذه ليست لحظة للعفوية.
وليست لحظة للمجاملة.
وليست لحظة للتجريب.
هذه لحظة دولة.
لحظة حسم.
لحظة حساب.
ولحظة اقتصاد حرب حقيقي.
والله من وراء القصد.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
