المقاومة الشعبية نحو بناء مؤسسي ================ ✍️ كتب/ حسن البصير
المقاومة الشعبية
نحو بناء مؤسسي
================
✍️ كتب/ حسن البصير

▪️تُمثّل تجربة المقاومة الشعبية التي انتظمت في ولايات السودان لإسناد القوات المسلحة خلال «حرب الكرامة» محطة بارزة في تاريخ العمل الوطني، وتجسيداً عملياً لمعنى أن يكون الشعب سنداً لجيشه ومدافعاً عن وطنه. فقد أسهمت هذه التجربة في تفجير طاقات المجتمع، وتعبئة الوجدان الوطني حول قضية مصيرية تتمثل في حماية الأرض وصون السيادة والحفاظ على أمن البلاد واستقرارها. وأثبت الشعب السوداني، من خلال ما قدمه من رجال ومال وجهد، عمق ارتباطه بالقوات المسلحة، وترجم شعار «جيش واحد.. شعب واحد» إلى واقع معاش في ميادين القتال والإسناد والإغاثة والخدمات.
وقد شكل هذا التلاحم بين المجتمع والقوات المسلحة رصيداً وطنياً مهماً، ينبغي المحافظة عليه وتطويره بما يتناسب مع متطلبات المرحلة المقبلة. ومع تراجع العمليات العسكرية في بعض المناطق، تبرز الحاجة إلى الانتقال بالمقاومة الشعبية من حالة الاستنفار المرتبطة بظروف الحرب إلى مرحلة أكثر تنظيماً ومؤسسية، تستثمر الطاقات والخبرات التي أفرزتها التجربة في خدمة المجتمع وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات.
▪️ومن الأولويات في هذا السياق تأهيل المستنفرين وتوجيه قدراتهم نحو مجالات الطوارئ وإدارة الكوارث، والإسعافات الأولية، ومساندة الأجهزة المختصة في مواجهة السيول والفيضانات والحرائق والأزمات المختلفة. كما ينبغي الاستفادة من الكفاءات الأكاديمية والمهنية التي انخرطت في صفوف المقاومة، من أطباء ومهندسين ومعلمين وغيرهم، وتوظيف خبراتهم في القوافل الصحية والتعليمية ومشروعات الإعمار والمبادرات المجتمعية، بما يسهم في معالجة آثار الحرب واستعادة عافية المجتمع.
وفي الوقت ذاته، فإن تطوير المقاومة الشعبية يتطلب بناء هياكل تنظيمية واضحة، وتحديد الأدوار والمسؤوليات على مستويات المركز والولاية والمحلية والحي، وفق خطط وبرامج معلنة ومنضبطة.
▪️كما تبرز أهمية إنشاء آليات للإسناد والتنسيق مع مؤسسات الدولة، وحصر الاحتياجات وتنظيم الدعم اللوجستي، وإنشاء قاعدة بيانات دقيقة للمتطوعين وخبراتهم وتخصصاتهم، بما يضمن الاستفادة المثلى من هذه الطاقات.
ولا يكتمل هذا التطوير من دون برنامج مستمر للتدريب والتأهيل، يرسخ قيم الانضباط والعمل المؤسسي والمسؤولية الوطنية، ويعزز التنسيق مع القوات المسلحة والجهات الرسمية المختصة، وفق الأطر والقوانين المنظمة.
*إن تجربة المقاومة الشعبية ينبغي ألا تبقى مجرد استجابة لظرف استثنائي، بل أن تتحول إلى تجربة وطنية قابلة للتطوير، تسهم في حماية المجتمع وخدمته وتعزيز تماسكه. ومن هنا، فإن عقد مؤتمر جامع للمقاومة الشعبية، تُقدَّم فيه أوراق عمل متخصصة حول الهيكلة، ورفع قدرات المستنفرين، والتأهيل، والدور الاجتماعي في المرحلة المقبلة، سيكون خطوة مهمة لوضع رؤية واضحة وعملية تستفيد من هذه التجربة وتؤسس لمرحلة أكثر تنظيماً وفاعلية واستدامة.
