البعد_الاخر د. مصعب بريــر كيف تستفيد من تمويل البنك المركزي الميسر للطاقة الشمسية؟
البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
كيف تستفيد من تمويل البنك المركزي الميسر للطاقة الشمسية؟
هل تساءلت يوماً كم من الوقت قضيناه ونحن ننتظر أن يضيء أحدهم العتمة، بينما الشمس تحرق رؤوسنا كل يوم مجاناً؟ في تفاصيل حياتنا المنهكة، اعتدنا أن ننظر إلى الأرض بحثاً عن حلول وانتظاراً للفرج، في حين أن السماء كانت دائماً تمد يدها. في الحوش السوداني، حيث نشرب الشاي ونحصي الخيبات ونتدثر بالصبر، نسينا أحياناً أن أزماتنا الكبيرة التي تبدو مستعصية، قد تبدأ حلولها بقرار واحد يغير وجهة النظر، وينقلنا من خانة الانتظار إلى مربع الفعل.
هذا ليس حديثاً عن فلسفة النور والظلام، بل هو عن خطوة واقعية جداً نعيشها اليوم، وعما نكسبه أو نخسره بصمت. ما يحدث باختصار هو تحول في طريقة تعامل المؤسسات مع حق المواطن في استقرار حياته. نحن نتحدث عن التوجيه الأخير لبنك السودان المركزي، الذي ألزم كافة المصارف بتسهيل الحصول على تمويل أنظمة الطاقة الشمسية للاستخدام المنزلي بطريقة غير مسبوقة. لماذا يهمنا هذا الآن؟ لأنه ليس مجرد ورقة بنكية روتينية، بل هو محاولة جادة لانتشال بيوت أرهقتها العتمة، وتكاليف البدائل التي تقصم الظهر في ظل ظروف العودة وإعادة الإعمار.
السبب الأول الذي يراه الجميع واضح كالشمس؛ نحن في مرحلة حرجة تتطلب استقراراً، والكهرباء هي عصب الحياة اليومية. الناس تعبت من ضجيج المولدات وتكلفة الوقود التي تلتهم الرزق يوماً بيوم. طبيعي، بعد هذا، أن نرى تدخلاً رسمياً يكسر هذا الاحتكار الطاقي. وهنا يبرز هذا المنشور الصادر في العاشر من سبتمبر، فقد ألغى البنك المركزي كافة الرسوم البنكية على هذه الطلبات، ومدد فترة السداد لتصل إلى ثلاث سنوات كحد أقصى، بل ووجه باعتماد ضمانات ميسرة مثل الاستقطاع من الراتب، مع تخصيص مسار سريع للتنفيذ. هذا هو الجانب المشرق والظاهر. لكن ما لا يُرى من النظرة الأولى، هو أن هذا التسهيل الاقتصادي له جذور أعمق؛ إنه يرتبط بحاجتنا الماسة للشعور بالأمان. المواطن الذي يحلم بليلة نوم هادئة لأطفاله، يرى في هذا القرار أكثر من مجرد “دعم للتحول للطاقة النظيفة”، إنه يرى فيه “توطيناً” للاستقرار ولبنة أولى في إعادة بناء ما تهدم.
يرى البعض أن البنوك لطالما أعلنت عن تمويلات وتعقّدت في أروقتها المعاملات، ولكن ألا يتحمل الوضع الاستثنائي الحالي ضرورة أن نختبر هذه القرارات وننتزع حقوقنا منها؟ طيب، هذا معناه شنو للمواطن البسيط الذي يكابد من أجل لقمة عيشه؟ معناه أنك بدل أن تشتري حلاً مؤقتاً يحرق جيبك يومياً بشراء الوقود أو صيانة المولدات، يمكنك الآن تحويل هذا المنصرف اليومي المرهق إلى قسط شهري مقدور عليه، وبدون رسوم إضافية تكسر ظهر التمويل. هو تماماً مثل الرجل الذي يدفع إيجاراً عالياً لسنوات، ثم يكتشف فجأة أن هذه الأموال المهدورة كانت تكفي لبناء غرفته الخاصة في حوش العائلة. أنت هنا لا تشتري لوحاً زجاجياً وبطارية؛ أنت تشتري استقلالك.
هذا القرار يحمل في طياته فرصة، ليس فقط لإنارة الغرف، بل لإنارة العقول حول كيفية استغلال الموارد المتاحة لبناء حياة مستدامة بذكاء. التحدي الحقيقي الآن لا يكمن في حبر البنك المركزي وتوجيهاته، بل في وعي المواطن بكيفية التقاط هذه الفرصة، وفي مدى التزام موظفي المصارف بتنفيذ “المسار السريع” وعدم خنقه بالبيروقراطية المعتادة. وهنا، تتجمع كل هذه الخيوط لتشير إلى حقيقة واحدة مُرّة وحاسمة في علاقتنا مع الأزمات وصناعة الحلول.
بعد اخير :
خلاصة القول، الفرص الكبرى لا تأتي دائماً مصحوبة بضجيج؛ أحياناً تتسلل في شكل تعميم بنكي هادئ يفتح باباً كان مغلقاً لسنوات. نحن نقف أمام لحظة يمكننا فيها أن نستبدل انتظارنا العاجز لعودة التيار، بقرار شخصي نمتلك فيه مصدر نورنا بأيدينا.
أخيرًا، الضوء الذي لا نسعى إليه، لن يشرق داخل غرفنا مهما كانت الشمس ساطعة في الخارج. إننا لا نُهزم بالظلام، نحن نُهزم فقط عندما نرفض دفع ثمن إشعال الشمعة التي وُضعت للتو بين أيدينا.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
