الأمم المتحدة وضرورة التفكير خارج النص كتبت ✍🏻 د.ايناس محمداحمد
الأمم المتحدة وضرورة التفكير خارج النص
كتبت ✍🏻
د.ايناس محمداحمد
في الرابع والعشرين من أكتوبر من كل عام يحتفل المجتمع الدولي بيوم الامم المتحدة ، المنظمة التي جاءت لتخلف عصبة الامم وانشئت علي يد الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وكان جوهر انشائها هو حماية العالم من اي حرب عالمية اخري ، وحماية الامن والسلم الدوليين ، وتم وضع ميثاق الامم المتحدة علي هذا الاساس ويتألف من 19 فصل و111 مادة توضح مقاصد الامم المتحدة ومبادئها .
وفي حالة وقوع تهديد للسلام العالمي يمنح الفصل السابع مجلس الامن الدولي صلاحية فرض عقوبات واتخاذ تدابير دولية بمستويات متفاوتة تصل الي حق استخدام القوة العسكرية.
لكن علي ارض الواقع عاني العالم من الحروب الأهلية والنزاعات الدولية واحتلال اراضي دول وانتشار المجاعات والفقر والاوبئة والانهيار الاقتصادي وانتهاك لحقوق الإنسان وارتكارب جرائم دولية بشعة وتدهور الوضع البيئي والاحتباس الحراري ، دون التعامل بشكل جاد وفاعل مع كل ذلك مما ادي الي زيادة التدهور الاقتصادي والسياسي للكثير من الدول وتفاقم مشاكل الهجرة غير الشرعية وزيادة اعداد اللاجئين والنازحين في ارجاء العالم هربا من واقع مؤلم ومصير مجهول .
للأسف الشديد لم تستطع الامم المتحدة مواكبة تطور مجريات الأحداث في العالم والمتابع يجد ان مجلس الامن والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي هذة المؤسسات بكل ما لديها من تأثير ونفوذ داخل النظام العالمي الا انها لم تستطع التصدي للكثير من القضايا الدولية وتركتها دون حلول ناجعة.
ليبقي السؤال المحوري هل يستطيع ميثاق الامم المتحدة _بوضعه الحالي _ علي إنقاذ الاجيال القادمة من ويلات الحروب والنزاعات والتدهور الاقتصادي والبيئي، هذا الميثاق الذي اعلن في سان فرانسيسكو في 26 يونيو 1945م ، واعطي حق الفيتو كامتياز لخمس دول فقط دون بقية دول العالم ، الا ان المادة 109من ميثاق الامم المتحدة تنص علي انه ” يجوز عقد مؤتمر عام لاعضاء الامم المتحدة لغرض استعراض هذا الميثاق في موعد ومكان يحددهما ثلثا اعضاء الجمعية العامة وتصويت اي تسعة اعضاء من مجلس الامن ولكل عضو من الامم المتحدة صوت واحد في المؤتمر ” من هذا النص يتضح انه كان يسمح بتعديل ميثاق الامم المتحدة عبر مؤتمر مراجعة في غضون (عشر سنوات) ،، اليوم مرت 81 عام تقريبا ولم تتحقق الارادة الدولية لعقد المؤتمر ، وضاعت فرصة ذهبية كان بامكان دول العالم تعديل الميثاق والحد من الفيتو ، لكن لم يحدث .
لذلك دعت مجموعة من الدول منها رومانيا والهند والمانيا والبرازيل وجنوب افريقيا بشكل مشترك لاستعادة روح المادة 109من ميثاق الامم المتحدة عبر مؤتمر مراجعة لمعالجة الاختلالات في هيكل المنظمة.
تاريخيا يذكر أرشيف القانون الدولي انه قد تم تعديل الميثاق تعديلات محددة في نطاق محدود في الأعوام 1963م ، 1965م ،1973م كانت تهدف لزيادة اعضاء مجلس الامن والمجلس الاقتصادي والاجتماعي .
اهمها التعديلات التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 17 ديسمبر1963م ودخلت حيز التنفيذ في 1965م ، وشملت مواد مهمة جدا منها المادة 23 لتوسيع عدداعضاء مجلس الامن من 6الي 10اعضاء ليصبح إجمالي اعضاء مجلس الامن 15 بدلا من11 عضو.
وكذلك المادة 27 الخاصة بالتصويت في مجلس الامن حيث يلزم تصويت 9 اعضاء بدلا من 7 اعضاء من اصل 15عضو .
المادة 61 التي نصت علي زيادة اعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
مع الوضع في الاعتبار ان تعديل الميثاق امر بالغ الصعوبة إذ يتطلب ذلك مصادقة ثلثي الدول الأعضاء في الامم المتحدة بما فيهم الأعضاء الدائمون في مجلس الامن (اصحاب حق الفيتو) .
منذ العام 1945م ، مر العالم بالكثير من الأحداث والحروب والتغيرات الجيوسياسية التي تستدعي الأخذ بمراجعة ميثاق الامم المتحدة بجدية وفاعلية اكثر مما سبق ، حيث يتفق اغلب اعضاء الامم المتحدة علي ضرورة الاصلاح ، فمنذ سقوط جدار برلين عام 1989م والنظام العالمي يمر بمرحلة انتقالية حرجة، حيث شهد العالم كله موجات متضاربة ومتناقضة بين العولمة والقومية والليبرالية وظهور سياسات اقتصادية جديدة، ونظم تجارة حرة وتزايد حركة الافراد علي الحدود الدولية وظهور الجرائم الدولية بصورة سافرة ، والهجرة غير الشرعية والتدفق الهائل للمعلومات نظرا للتطور في ثورة الاتصالات والتقدم في صناعة الاسلحة واطماع الدول في ثروات دول اخري بل والعدوان عليها طمعا في تلك الثروات .
الجميع يدرك أهمية الإصلاح لكن التفاعل معه يتفاوت من دول تسعي للإصلاح واعادة هيكلة الامم المتحدة بما يخدم المصلحة العامة ويحقق العدالة و التنمية ، وبين الدول صاحبة امتياز الفيتو التي تتفاعل بدون حماس لأنها ستخسر (امتياز )استمتعت به 81 سنة ولا زالت تتمسك به.
هذا الجمود الاستاتيكي ادي الي سعي دول غربية الي التأثير على إدارة المنظمات التي تعمل تحت إدارة الأمم المتحدة لتؤثر في عمليات توزيع الأموال لتمويل الأنشطة التشغيلية للأمم المتحدة مما يمنحها تأثير قوي علي أولويات المساعدات الانمائية ، مما يجعله اختراق غير مباشر في سياسة إصلاح المنظمة.
في العام 1973م كان هناك ضغط دولي لإصلاح النظام الاقتصادي الدولي ، ومعالجة صنع القرار في كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، وفي العام 1974م بدأت الجمعية العامة للأمم المتحدة عملية مراجعة للميثاق مع التركيز في المقام الأول علي التمثيل العادل في مجلس الامن والحد من استخدام حق الفيتو، وفي العام 1992م قام مجلس الامن نفسه باجراء تعديلات الا انه لم يتفق عليها من قبل الدول الاعضاء ، وبالتالي لم تخرج للنور .
لكن جوهر الدعوة للتعديل جاء نتيجة سجل الأمم المتحدة الضعيف في مجال حل النزاعات وإيقاف الحروب التي كانت ولا تزال معضلة الأمم المتحدة ، والأمثلة كثيرة منها القضية الفلسطينية المستمرة للان مع زيادة معاناة الشعب الفلسطيني وتفاقم ازماته، لم تستطع الأمم المتحدة من منع عزو الاتحاد السوفيتي لافغانستان عام 1979م ، وحرب البلقان بين عامي 1992, 1995م واحتلال الولايات المتحدة للعراق عام 2003م ، ووقف العالم متفرجا حينما وقعت حرب الابادة الجماعية في رواندا 1994م ، وحرب روسيا واوكرانيا 2022م، والحرب الحالية بين الولايات المتحدة وايران ، والحرب الاهلية في اليمن منذ 2014م والحرب في السودان 2023م ، وغيرها وغيرها الكثيييير من النزاعات والصراعات الدولية والاهلية .
ربما لم تنجح محاولات الاصلاح لاسباب كثيرة منها
1/عدم القدرة علي اصلاح مجلس الامن نتيجة تعنت اعضائه الدائمين بقبول هذة الاصلاحات التي تسلبهم حق الفيتو ، والذي يعد أداة سحرية لتحقيق مصالحهم الدولية .
2/ رفض المساهمين الماليين الرئيسين في الامم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لمحاولات تقليص دورهم في صنع القرار مما يؤثر علي اولويات المساعدات الانمائية .
3/ ظهور تجمعات وتحالفات دولية مثل عدم الانحياز (NAM) و مجموعة 77G ، وهناك تجمعات وتحالفات اقتصادية جديدة ، وهذة اخطر من التحالفات السياسية ، مثل البريكس ومجموعة اسيان ومنظمة شنغهاي للتعاون وغيرها ، والتي يري اعضائها انها تحقق مصالحهم بشكل أفضل ، وفي نفس الوقت لها أثر اقتصادي وسياسي مؤثر علي المدي البعيد .
في المقابل هناك تيار اكاديمي مؤثر من علماء القانون الدولي يري انه لن ينصلح حال الامم المتحدة طالما ان هناك تزايد مستمر في نفوذ المنظمات غير الحكومية التي تضع الخطط والاستراتيجيات والاجندات الدولية خاصة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية .
الي جانب الدور المتزايد للتمويل الخاص لأنشطة الأمم المتحدة ، المعتمدة علي المساهمات التطوعية وهذا يجعلها تسير وفق مصالح وأهداف المساهمين ، مما يضعف الثقة والحياد والمهنية في أداء الامم المتحدة وبالتالي يؤثر علي ثقل المنظمة دوليا .
الي ان يحدث التغيير نحو الأفضل بالفعل وبما يراعي التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حدثت في دول العالم في الحاضر المعاصر ويراعي التوزيع العادل للدول الأعضاء ، يبقي التزامنا باحترام الامم المتحدة ووكالاتها و المواثيق الدولية والقانون الدولي امر يفرضه الواقع ، لكنه لا يمنع التفكير خارج نصوص واسوار المنظمة الاممية.
اللهم انصر القوات المسلحة نصرا عزيزا يا الله .
