من أعلي المنصة ياسر الفادني السمحة …ست الناس !!
من أعلي المنصة
ياسر الفادني
السمحة …ست الناس !!
في عوالم الإبداع السوداني تتجلى أغنية (لهيب الشوق) كنافذة تُطل على وجدان الناس، تنسج من العاطفة نسيجًا يُلامس القلوب، ويتسرب إلى الأرواح مثل نسيم المساء العليل حينما تلتقي الكلمة الصادقة باللحن العذب، ويُصقل الأداء بصوت لا يعرف حدودًا، يولد عمل خالد يشدّ المستمع إلى عوالم من الجمال. في هذه الأغنية يتماهى الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم مع الموسيقار يوسف القديل ليصنعا لوحة وجدانية يتوجها الراحل محمود عبد العزيز بصوته الذي لا يعرف إلا الصدق والدفء والتجلي
تفيض الكلمات بمشاعر مشتعلة، حيث يقف الشاعر على ضفاف الشوق، غارقًا في لهيب العاطفة، متسائلًا عن أحوال من أسرت القلب وأخذت اللبّ، استخدام مفردات مثل “الحلوة ست الناس” و”محروسة بياسين” يخلق حالة وجدانية خاصة، يستدعي فيها العاشق البركة والحفظ لمحبوبته، في استعارة تحمل دلالات الحب العميق والخوف عليها حتى من الغياب. يعانق النص البلاغي الرقة، متجسدًا في تراكيب موسيقية رشيقة تعتمد على الجناس في “سمحة وسمح ذوقها”، والمقابلة في “نار الغرام في الجوف زادت لهيب الشوق”، ليمنح اللحن مساحات من المدّ العاطفي تتناغم مع الحالة الشعورية التي يحملها النص
لحن يوسف القديل جاء امتدادًا طبيعيًا لهذه الحالة، إذ اعتمد على جُمل موسيقية تنساب بسلاسة بين المقاطع، موظفًا مقامًا يميل إلى الطابع الحزين العاطفي، ما يمنح الأغنية بعدًا دراميًا يضاعف من تأثيرها الوجداني، يتميز اللحن بتدرجاته العاطفية المتصاعدة، إذ يبدأ هادئًا متأملًا، ثم يتصاعد مع انفعالات الشوق ليصل ذروته، قبل أن يعود إلى الهدوء مجددًا وكأنما يسدل ستار التنهيدة الأخيرة للعاشق المنتظر، توظيف الإيقاع في الأغنية يحقق توازنًا بين الشجن والرقص الداخلي للمشاعر، فلا هي بالهادئة حد الحزن المطلق، ولا السريعة حد فقدان الرزانة الوجدانية، بل تظل في منطقة تجعلها قريبة إلى القلوب
وحين يأتي الأداء بصوت محمود عبد العزيز، يتحول العمل إلى تجربة متفردة فالمعجزة الصوتية لهذا الفنان الراحل تكمن في قدرته على أن يجعل كل كلمة نابضة بالحياة، مُشبعة بالأحاسيس، وكأنها تتشكل أمام المستمع لا مجرد أن تُغنّى، مدّه الصوتي العذب، سيطرته على الطبقات، تلك القدرة السحرية على الانتقال بسلاسة بين النبرة الحزينة والنبرة المليئة بالدفء، كلها عوامل جعلت من هذه الأغنية أكثر من مجرد لحن وكلمات، بل تجربة شعورية كاملة يعيشها كل من يستمع إليها، محمود عبد العزيز لم يكن يؤدي الأغنية فحسب، بل كان يسكب فيها روحه، يجعلها تحكي عنه، عن حبّه للفن، عن قدرته الخارقة في الغوص بأعماق النصوص واللحون، ليخرجها لنا بهذا البهاء
إني من منصتي استمع…. حيث أجزم….بأن إلتقاء الشاعر والملحن والفنان في هذا العمل لم يكن مجرد تعاون عابر، بل كان ميلادًا لحالة من الجمال المطلق بين الكلمة والنغمة والصوت، هذا الانسجام النادر هو ما يجعل “لهيب الشوق” تظل حية، قادرة على إشعال نار العاطفة في كل قلب يسمعها، قادرة على إحياء تلك الذكريات الدافئة، التي كلما حاول الزمن أن يطفئها، أعادت الأغنية ألقها من جديد .