منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

. جنود مجهولون ♦️صلاح محمد عبد الدائم (شكوكو)

0

.
️ جنود مجهولون ️

♦️صلاح محمد عبد الدائم (شكوكو)

ة

▪️هي رحلة سرية كانت من الأبيض إلى القطب الشمالي ..
▪️المهمة كانت سرية ونوعية أنقذت تراث السودان الزراعي .
▪️في ظل فوضى الحرب الأهلية التي اجتاحت السودان منذ أبريل 2023 ووسط أصوات المدافع والخراب الواسع الذي عمّ المدن والقرى .. خاض عدد من العلماء السودانيين مغامرة شجاعة وغير مألوفة .
▪️كان هدفها ساميا .. لم يكن سياسيًا أو عسكريًا .. بل زراعيًا وإنسانيًا بإمتياز .
▪️الهدف كان إنقاذ البذور .. نعم لانها بذور تحمل في داخلها تاريخًا غنيًا وموردا جينيا تاريخيا حاسما .. يتعلق بمستقبل السودان وأمنه الغذائي.
▪️في ديسمبر من نفس العام .. ومع سقوط مدينة ود مدني (ثاني أكبر المدن السودانية) في قبضة قوات الدعم السريع .. بدأ سباق مع الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بنك الجينات الزراعي .. وهو أحد أهم المرافق البحثية في البلاد.
▪️رغم التعتيم الإعلامي النسبي .. إلا أن ما جرى خلال تلكم الفترة يمثل واحدة من أكثر عمليات الحفاظ على التراث البيولوجي إثارةً وإلهامًا في تاريخ السودان الحديث.
▪️بعد انهيار مدينة ود مدني .. ولطالما اعتُبرت ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة ملاذًا للنازحين الفارين من جحيم المعارك في الخرطوم.
▪️لكن المدينة لم تكن بعيدة عن نيران الحرب ففي ديسمبر 2023م اجتاحت قوات الدعم السريع المدينة بسرعة صادمة .. منهيةً بذلك وهم (المدينة الآمنة) . حيث ارتكبت المليشيا انتهاكات جسيمة ضد السكان المحليين .. وتعرضت المؤسسات الحيوية للنهب والتدمير .. تمامًا كما حدث في العاصمة من قبل.
▪️في خضم الفوضى العارمة التي اجتاحت المدينة .. أطلق عدد من العلماء السودانيين نداءً لحماية منشأة قلّما تحظى بالاهتمام الإعلامي .. انها بنك الجينات السوداني .. الذي يقع مقره الرئيسي في ود مدني ويحتوي على أكثر من 17 ألف عينة من البذور .. تشمل محاصيل رئيسية مثل الذرة الرفيعة والدخن والقمح والسمسم.
▪️لم يكن هذا مجرد مبنى إداري .. بل خزينة حيوية للتراث الزراعي السوداني .. وذاكرة بيئية لأجيال من المزارعين.
▪️الأستاذ علي زكريا بابكر مدير بنك الجينات عبّر عن شعوره بالخذلان قائلاً : (لم نتوقع أن تهاجم قوات الدعم السريع ود مدني .. لكن عندما فعلوا ذلك .. كان لابد من التحرك بسرعة.. لقد توقعنا أنهم سيستهدفون البنك كما فعلوا مع كل شيء آخر) .
▪️مع فرار العاملين في بنك الجينات من ود مدني .. اجتمع بعضهم في مدينة الأبيض .. عاصمة ولاية شمال كردفان .. حيث يوجد فرع احتياطي للبنك يحتوي على نسخ مكررة من معظم العينات الأصلية.
▪️أدرك الفريق المجتمع أن المنشأة في الأبيض قد تكون هدفًا قادمًا وبالتالي لا بد من اتخاذ إجراءات استباقية.
▪️بدأت الخطة بتركيب نظام طاقة شمسية لضمان استمرار التبريد في ثلاجات حفظ البذور .. ثم شرع الفريق في تصنيف وتجهيز شحنة طارئة تحتوي على أكثر من 2000 عينة بذور لنقلها إلى (قبو سفالبارد العالمي للبذور) الواقع في أقصى شمال الكرة الأرضية.
▪️قبو سفالبارد الذي يقع في جزيرة نرويجية في القطب الشمالي .. صُمم ليكون (بوليصة تأمين) عالمية ضد الكوارث البيئية أو الحروب .. يتم تخزين البذور فيه على درجات حرارة تصل إلى 18 درجة مئوية داخل جبل من الصخور الصلبة.. ويمكن لأي بنك جينات في العالم حفظ نسخ احتياطية هناك دون فقدان الملكية.
▪️قال الاستاذ بابكر: (أردنا أن نحافظ على جزء من البذور خارج السودان .. إنها موارد لا تخصنا وحدنا .. بل تخص العالم كله).
▪️كانت مهمة محفوفة بالمخاطر .. فقد كانت مدينة الأبيض محاصرة جزئيًا من قبل قوات الدعم السريع وكانت الطرق المؤدية إلى بورتسودان الميناء الوحيد العامل في البلاد .. خاضعة لنقاط تفتيش مشددة.
▪️اضطر الفريق إلى شحن البذور بشكل سري .. حيث تم تحميلها في صناديق مخفية في شاحنة تجارية لتجنّب التدقيق والتفتبش والعبث.
▪️امتدت الرحلة لأكثر من عشرة أيام عبر طرق ترابية مهجورة لتفادي نقاط التفتيش دون أن يرافق أي موظف من الفريق الشحنة منعًا لإثارة الشبهات.
▪️لم يسلك الوفد الطريق المعتاد بل اتخذ طرقًا بديلة وغير معروفة لقوات الدعم السريع.
▪️كانت الشحنة صغيرة في حجمها لكنها تحمل في طياتها مستقبل الزراعة السودانية.
▪️تم ارسال الشحنة من بورتسودان إلى سفالبارد عبر البريد .. بدعم من منظمة Crop Trust وهي مؤسسة غير ربحية تعمل على الحفاظ على التنوع الجيني للمحاصيل عالميًا.
▪️تقول نيليسا جامورا من المنظمةالعالمية (رغم الحرب .. كان بريد السودان يعمل جزئيًا .. واستطعنا إرسال الشحنة عبر البريد العادي) .
▪️قبل الوصول إلى سفالبارد مرت البذور بمركز NordGen في السويد حيث تم فرزها وفهرستها وإعدادها للتخزين طويل الأمد.
▪️في 25 فبراير 2025م وصلت البذور السودانية إلى قبو سفالبارد برفقة شحنات أخرى من 19 بنكًا جينيًا حول العالم.
▪️إنه إرث عمره آلاف السنين.. مؤمّن في جليد القطب الشمالي ..
والعينات التي تم حفظها شملت أصنافًا من المحاصيل التي عرفتها المجتمعات الزراعية السودانية منذ آلاف السنين أبرزها الدخن اللؤلؤي والذرة الرفيعة وهما من المحاصيل المقاومة للجفاف وتُعدّ ركيزةً للأمن الغذائي في مناطق واسعة من إفريقيا.
▪️يؤكد الاستاذ بابكر أن هذه المحاصيل تمثل التراث الزراعي للسودان .. فهي ليست فقط حبوبًا بل خلاصة تكيّف طويل مع البيئة القاسية .. بعضها من أقدم المحاصيل التي عرفها الإنسان في وادي النيل.
▪️تخزينها في سفالبارد يعني أن السودان .. رغم الدمار الواسع لم يفقد تراثه الزراعي بالكامل.
▪️يمكن عندما تسمح الظروف إعادة إحياء هذه البذور وإطلاق دورة زراعية جديدة من جذور تاريخية عريقة.
▪️في يناير 2025م استعاد الجيش السوداني مدينة ود مدني .. وعندما عاد فريق بنك الجينات إلى منشأتهم وجدوا الكارثة .. ثلاجات منهوبة .. أجهزة كمبيوتر مدمّرة .. وأكياس بذور ممزقة متناثرة على الأرض.
▪️لكن لحسن الحظ كانت النسخ المكررة آمنة في سفالبارد بدعم من منظمة الأغذية والزراعة (FAO) وصندوق المحاصيل .. بدأت محاولات إعادة بناء البنك.
حيث يتم الآن تقييم الأضرار وتجري محاولات لإعادة بناء قاعدة البيانات المفقودة وسط تحديات هائلة تشمل انقطاع الكهرباء لساعات طويلة يوميًا وندرة الموارد الحكومية.
▪️انها ملحمة من ملاحم النضال الوطني لرجال مجهولين قدموا خدمة وطنية جليلة للوطن وفي ظروف غاية في التعقيد والخطورة .
.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.