منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*الأبيض ميقابروجكت (Al—Obeid Megaproject).. المشروع الحضري العظيم (٢-٤)* ✒️ صهيب حامد

0

*الأبيض ميقابروجكت (Al—Obeid Megaproject).. المشروع الحضري العظيم (٢-٤)*

 

✒️ صهيب حامد

صوهيب حامد

 

حسناً.. وكما ذكرنا في حلقتنا السابقة فإن التحدي الأساسي لقيام (مشروع الأبيض ميقابروجكت) هو المقدرة على إجتراح حلول للإشكاليات الأساسية والجوهرية والجذرية التي تواجه أي مشروع حضري في العالم عموماً والمشروع الذي نحن بصدده على وجه الخصوص..مشكلات المياه والطاقة والصرف الصحي. وكما هو معلوم فإن مدينة الأبيض بطبعها تعاني من إشكاليات توفير مياه الشرب والكهرباء منذ مبتدأ ثمانينيات القرن الماضي حين لم يتجاوز عدد سكانها آنذاك المائة الف نسمة ، فكيف سوف تتجاوز المدينة نفس الإشكاليات حين يصل عدد سكانها إلى ما يزيد عن ٦ مليون نسمة كمشروع حضري في الدرجة قاما (Gamma city)!!؟ إذن هنا ليس من مناص سوى إستخدام منهجية الإستفادة من النمازج العالمية التي واجهت نفس هذه المعضلات و إجتازتها وفق مصفوفة علمية وموضوعية تتناسب مع إمكانياتها و مواردها في سياق التطور والنهوض ، حيث أن التطور والنهوض هو عملية حتمية لا مناص منها للشعوب لتحقيق آمالها وطموحاتها ، وكذلك لتحقيق آمال وطموحات أجيالها القادمة في عالم لا يحترم ولا يضع حساباً إلّا للقوة والتطور والسير قدماً للأمام و إلّا فسوف يجتاحنا هذا العالم لنهب وسرقة مواردنا ومقدّراتنا وثرواتنا (كما يفعل العالم ذلك الآن بواسطة جائحة الجنجويد) التي أعيانا الفساد والعجز والقعود من الاستفادة منها!!. إن مما يؤسف له أن السبب الأساسي لعجزنا وقعودنا الآن ليس عدم المعرفة أو قصور الموارد والثروات بل إصرار ثلة منّا على الإحتفاظ بالبني الحالية (بني الفشل) ليس لأهمية هذه البنى لنا كسودانيين ، ولا في سبيل الحفاظ عليها كتراث سوداني ثمين (!!!) ، بل للحفاظ على مصالحهم الذاتية الضيقة المكنونة في هذه البنية ، ومِمّا يؤسف له أننا سوف نساق حتف أنفنا في ظل هذه البنى الرثّة المتكلسة حتى نُورد موارد الهلاك!!. النموزج الذي سوف نستلهمه هنا هو دولة سنغافورة وهي مدينة في شكل دولة أو دولة في شكل مدينة (City state) ، تقع في الطرف الجنوبي لشبة جزيرة ماليزيا (Peninsular Malasia) وهي الدولة الأصغر مساحة (إلى جانب دولة بروناي) في منطقة جنوب شرق آسيا (Asean). ورغم صغر مساحة سنغافورة (٧٥٠ كيلومتر مربع فقط) ولكنها تحوي ٦ مليون نسمة من السكان الذين يعدون الأكثر رفاهية في العالم بدخل للفرد يبلغ ١٥٦ الف دولار بمقياس ال (PPP) و٩٤ الف دولار بمقياس ال (Nominal GDP) وب (٩٤١.) درجة في مؤشر التنمية البشرية (HDI) وهو ما يضعها السادسة في العالم رجوعاً لهذا المؤشر. السبب الذي دعانا لإختيارنا النموزج السينغافوري هو قدرتها على تجاوز تحدياتها وتسخير بيئتها في مجال جغرافي محدود!!.

بدأ البريطانيون الإحساس بمشكلة المياه في سنغافورة منذ بدايات الإحتلال البريطاني للجزيرة التي تقع عند مضيق (ملغا) أهم ممر ملاحي في العالم يربط بين المحيط الهادي والهندي ، إذ إستخدم البريطانيون (سنغافورة) كنقطة لتزويد السفن بالخدمات (خصوصا مياه الشرب) ، وهو الأمر الذي حدي بهم أولا في ١٨٦٦م لإنشاء خزان ماكريتشي (Macritchie reservoir) ، وهكذا كلما تفاقم وضع مياه الشرب كلما أنشأ البريطانيون خزان جديد ولكن دون جدوي. في العام ١٩٢٧م فكّر البريطانيون في إنشاء خط ناقل للمياه من جبل بولاي بولاية جوهور (Johor state) وهي الولاية الجنوبية في آخر حد شبه الجزيرة الماليزية المحازية لسنغافورة ولا يفصلهما سوي حاجز مائي وهو مضيق جوهور (Johor strait). وهكذا صار لسينغافورة في هذا التاريخ مصدران لمياه الشرب (Fresh water) وهما حصاد المياه عبر الخزانات (Catchments water) والمياه المستوردة (Imported water) من جوهور. ولكن لم تفك تتطور إحتياجات سينغافورة المائية كلما زادت أهميتها الإقتصادية وكلما زاد عدد سكانها إلى أن حدث إنفصالها عن ماليزيا في العام ١٩٦٥م لأسباب آيديولوجية وسياسية ، وهنا حدس الأب المؤسس لسينغافورة لي كوان يو (Lee Kuan You) أنّ ثمة خطر يتهدد بلاده إن لم تفكر سنغافورة للإستقلال الذاتي في مجال المياه خصوصاً وأن الرئيس الماليزي آنذاك (تنكو عبد الرحمن) قد هدّد جارته الجنوبية أن ماليزيا سوف تقطع عنها المياه في حال إتخاذها اي مواقف دولية أو إقليمية إنطلاقاً من وضعها الجيوسياسي تضر بالمصالح الماليزية. هنا وإبتداءاً من ثمانينيات القرن الماضي بدأت سنغافورة في التفكير في إستراتيجية جديدة للمياه أطلق عليها فيما بعد إستراتيجية الحنفيات الاربع (4National tabs) حيث بدأت سنغافورة وفي سبيل الإستقلال الكامل في مجال المياه ومنذ بدء الألفية الثالثة تدشين مصدرها الثالث لمياه الشرب في إطار استراتيجية ال (4tabs) وهو المياه المستعادة (Reclaimed water) أو ال (Tab 3) ، وهي إستخدام تقنية إعادة إستخدام المياه.ثم في العام ٢٠٠٥م أضافت سينغافورة مصدر جديد آخر لمياه الشرب وهو تحلية مياه البحر (Seawater desalination) أو الحنفية الثالثة (Tab 4) كما هو إسمها في إطار إستراتيجية ال (4National tabs). وهكذا كي تصبح المصادر الأربعة للإستراتيجية السينغافورية في مجال المياه هي خزانات حصاد المياه (Catchment water) أو (Tab 1) ثم المياه المستوردة من ماليزيا (Imported water) أو (Tab 2) ثم المياه المستعادة (Reclaimed water) أو (Tab 3) ثم تحلية مياه البحر (Desalinated water) أو (Tab 4). الإستهلاك اليومي الحالي لسينغافورة من المياه هو ٤٣٠ مليون جالون إمبريالي في اليوم ، تتوفر منها ٢٥٠ مليون جالون إمبريالي عبر المياه المستوردة و١١٥ مليون من المياه المستعادة و٥٠ مليون من المياه المحلّاة والمتبقي من خزانات حصاد المياه (catchment water). ولكن بما ان أهداف إستراتيجية ال ( 4tabs) هو الوصول للإكتفاء الذاتي من المياه بمصادر وطنية صرفة في ٢٠٦١م – تاريخ إنتهاء إتفاقية نقل المياه الموقعة بين ماليزيا وسينغافورة- لذا فإن سنغافورة تستهدف أن تغطي المياه المستعادة (Reclaimed water) ما نسبته ٥٠٪ من الإستهلاك الوطني و المياه المحلّاة تغطي ٣٠٪ وخزانات حصاد المياه تغطي ٣٠٪. ليس من مناص إمام سنغافورة الآن سوى تحقيق أهداف هذه الإستراتيجية كما مرصود أعلاه لجنوح دولة ماليزيا ممارسة إبتزاز ممض على سنغافورة حيث وصلت تكلفة المتر المكعب من المياه المنقولة من جوهور بماليزيا تكلفة تحلية أو استعادة المتر المكعب داخلياً وهو ما رجّح خيار تطوير الخيارات الوطنية في سبيل الاكتفاء الذاتي بلا رجعة.. نواصل.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.