منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي *الخرطوم والرياض.. هندسة ما بعد الحرب*

0

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

 

*الخرطوم والرياض.. هندسة ما بعد الحرب*

شقلاوي 2

 

تظل العلاقات السودانية –السعودية جسرٍ صلب علي مر التاريخ بين ضفتي الأزمة والانتقال. فما شهدته بورتسودان بالأمس من تدشين لحزمة المشروعات الصحية الممولة من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية تعبير سياسي ناضج عن شراكة تُدار بعقل الدولة وروح التضامن المنتج، وتُبنى على تاريخ طويل من الثقة المتبادلة بين البلدين .

إعادة تأهيل خمسين مستشفى في مختلف ولايات السودان، وتزويد عشرٍ منها في مرحلتها الثانية بمعدات حديثة ومحطات أوكسجين ومولدات كهرباء والدواء ، يضع المملكة في قلب معركة السودان الكبرى: معركة استعادة الدولة بعد الحرب. فالصحة هي أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ومن دونها لا يمكن لأي مشروع وطني أن يستقيم.

بهذا المعنى يتحول الدعم السعودي إلى استثمار في الآمن والسلم الأهلي، وفي قدرة الدولة السودانية على الوقوف من جديد لتحقيق الانتقال المؤسسي راعيةً لمواطنيها.

حديث عضو مجلس السيادة د. سلمى عبد الجبار، برفقة وزير الصحة د. هيثم محمد ووالي البحر الأحمر الفريق ركن مصطفى محمد نور عن حزمة مشروعات تنموية وخدمية كبرى بتمويل سعودي من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، تؤكد أن هذا الدعم يتم “بلا شروط”، تكشف إدراكًا لطبيعة اللحظة السودانية، حيث تحتاج الدولة إلى شركاء لا إلى أوصياء.

فالمملكة في مقاربتها للسودان، لا تتعامل معه كساحة نفوذ، بل كركيزة استقرار في الإقليم، وهو ما يفسر استمرار تدخلاتها الإنسانية والتنموية حتى في ذروة الحرب، حين أرسلت أكثر من مئتي حاوية من الأجهزة الطبية والمولدات، ونظمت عشرات المخيمات العلاجية، في استثمار جاد في بقاء الدولة.

غير أن التحول الأهم في هذه العلاقة لم يعد محصورًا في الإغاثة أو الخدمات، بل انتقل إلى مستوى الهندسة السياسية. فقرار الرئيس عبد الفتاح البرهان بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والمملكة العربية السعودية، استنادًا إلى ما تم الاتفاق عليه مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، يعبّر عن انتقال العلاقة من طور الدعم إلى طور الشراكة الاستراتيجية.

المجلس يمثل غرفة قيادة مشتركة لإدارة ملفات معقدة تبدأ بإنهاء الحرب والتعافي الوطني ولا تنتهي عند إعادة الإعمار وبناء الدولة.

زيارة البرهان إلى الرياض في ديسمبر 2025 جاءت في توقيت مهم ، حيث كان السودان يقف على حافة استنزاف طويل، فيما كانت المملكة تعيد تعريف دورها الإقليمي باعتبارها فاعلًا في إدارة الأزمات . في هذا اللقاء، لم يكن السودان ملفًا إنسانيًا فقط، بل عقدة أمنية واستراتيجية في معادلة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ومن هنا جاء التوافق على الارتقاء بالعلاقة إلى مستوى الشراكة الشاملة.

في هذا الإطار يكتسب استلام البرهان للمبادرة السعودية – الأميركية لوقف الحرب دلالة خاصة. فالمبادرة التي تبدأ بهدنة إنسانية، ثم وقف للأعمال العدائية، وصولًا إلى اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار، لا يمكن أن تنجح بلا شريك إقليمي ضامن. السعودية بثقلها السياسي وصلاتها الدولية، تضع نفسها في موقع الضامن الموثوق لمسار السلام المرتقب في السودان .

والأهم أن مناقشة الرئيس البرهان لتفاصيل المبادرة داخل مؤسسات الدولة تعكس محاولة جادة لبناء إجماع وطني حول طريق السلام، بدل تركه رهينة للاجتهادات الفردية أو الضغوط الخارجية.

على المستوى الأخلاقي، تعمّق المشاهد الإنسانية هذا المسار السياسي. فزيارة أمير منطقة القصيم للطفلة السودانية العنود، الناجية الوحيدة من مأساة أفنت أسرتها، لم تكن مجرد لفتة عاطفية، بل رسالة سياسية ناعمة مفادها أن الإنسان السوداني حاضر في وعي القيادة السعودية كقيمة لا كرقم. هذا الرصيد الأخلاقي من القيادة هو ما يمنح الشراكة بين البلدين عمقها الشعبي، ويجعلها أكثر صلابة من أي اتفاقيات رسمية.

ويتقاطع هذا البعد الإنساني مع البعد الاقتصادي واللوجستي في ملف الطيران، حيث تعكس عودة الرحلات الإقليمية إلى مطار بورتسودان، وتدشين طيران السلام العُماني لخطه المنتظم، بداية استعادة السودان لموقعه على خريطة الربط الجوي. غير أن الرهان الشعبي والسياسي يظل معقودًا على عودة الناقل الوطني او التجاري السعودي إلى الأجواء السودانية، خاصة مع مواسم العمرة والحج، بما تحمله من معنى ديني واقتصادي وسيادي.

هكذا تتشكل ملامح شراكة سودانية – سعودية لا تختزل في المساعدات الإنسانية ولا في البيانات السياسية، بل تُبنى على تداخل المصالح: أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي ، ومن الخرطوم إلى الرياض، لا تمتد مسافة طيران فحسب، بل طريق ثقةٍ تراكمت عبر التاريخ، وتجددت في زمن المحنة، وتتهيأ اليوم لتتحول إلى عقد استراتيجي يتحدى الزمن، ويمنح السودان فرصة حقيقية للخروج من ليل الحرب إلى أفق الدولة والسلام.

هكذا بحسب#وجه_الحقيقة لا تبدو العلاقة بين الخرطوم والرياض مجرد صفحة في دفتر الدبلوماسية، بل عملية هندسة لما بعد الحرب، يُعاد فيها ربط الأمن بالإعمار، والسياسة بالإنسان، والسيادة بالاستقرار. وفي عالم يضيق باليقين، قد لا يكون هذا المسار ضمانًا للنجاة، لكنه بلا شك أصدق محاولة متاحة لإنقاذ دولةٍ واعدة تستحق أن تُعاد كتابتها من جديد.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 28 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.