زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة رفقة الطريق… حين تختلط البساطة بالحسابات
زاوية خاصة
نايلة علي محمد الخليفة
رفقة الطريق… حين تختلط البساطة بالحسابات

كانت رحلتي هذه المرة ضمن مأمورية عمل إلى إحدى الولايات ، وبعد أن أتممت مهمتي ، هممتُ بالعودة إلى مدينة اخرى ، فحجزتُ مقعدي في أحد الباصات السفرية ، وكعادتي لي شروط محددة عند الحجز ، أن يكون المقعد بمحاذاة النافذة ، وأن يقع قبل منتصف الباص ، بين المقدمة والوسط ، وأن تكون بجواري عنصر نسائي لا تصتحب طفلًا.
عندما صعدتُ إلى الباص ، وجدتُ إلى جواري شابة ، فبادرتُها بالتعريف بنفسي ، وقدّمت لي نفسها ، واتضح أنها تسكن قريبًا من مقر سكني في المدينة التي نقصدها ، سرعان ما تجاذبنا أطراف الحديث ، وفي أثناء انتظار بدء الرحلة طلبتُ من أحد الباعة المتجولين كوبين من القهوة ، فشربنا معًا ، وازداد بيننا شعور الإرتياح ، لم يغب عني وجود امرأة خمسينية كانت تراقبنا عن كثب ، ثم تبيّن لاحقًا أنها عمة الشابة ، فعاتبتها لما لم تخبرني لأطلب لها كوب قهوة مثلما فعلنا ، وما إن اطمأنت إليّ حتى اقتربت منا ، واحتضنت ابنة أخيها في لخظة وداع ، ثم حيّتني بحرارة على الطريقة السودانية ، وقالت مطمئنة “طالما تعرّفتما إلى بعضكما، أستودعكما الله”، ثم غادرت.
بدأت الرحلة فتقاسمنا أنس الطريق وزاده ، وتبادلنا الحديث عن تفاصيل الحياة والدراسة ، حتى قاربت رحلتنا على نهايتها ، سألتها إن كانت ستستقل وسيلة مواصلات ، أم نبحث معًا عن وسيلة نستاجرها ، فأخبرتني أن والدها سيأتي لاصطحابها من السوق الشعبي ، وأضافت بلطف لا داعي لأن تستأجري وسيلة ، سنوصلك معنا.
عند وصولنا كان المساء قد أرخى سدوله ، فحملت أمتعتي وحاولت الانسحاب بهدوء ، لكنها لحقت بي مُصرّة أن أرافقهم ، حمل والدها حقيبتي ، وركبت معهما ، حتى وصلنا إلى مقر سكني ، وعندما هممتُ بوداعهما ، شاكرةً صنيعهما ، توجهتُ بالشكر إلى والدها قائلة جزاك الله خيرًا يا حاج ، بارك الله فيك ، غير أنه فاجأني بقوله ، ألا يوجد مقابل (بارك الله فيكم كدا ساي) ، فاستفسرتُ عن المبلغ ، فقال خمسة عشر ألفًا ، لكن أعطني عشرة آلاف فقط ، لأن غيري سيأخذ المبلغ كاملًا ، في تلك اللحظة ، تدخلت ابنته من المقعد الأمامي قائلة ، لا يا أبي لا تأخذ منها شيئًا ، لكنني آثرت أن أدفع ، وطلبتُ منه رقم حسابه ، فأصرّ على الدفع نقدًا ، ولم يكن معي نقود ، فاملأ علي رقم حسابه ، فاقترحت أن أتحمل نصف المبلغ ، والنصف الآخر أجرة ابنته ، وقلت له إن استأجرنا وسيلة فسنفعل كذلك ، نتحمل المبلغ مناصفة ، فحوّلت له سبعة آلاف ، وعرضت عليه هاتفي ليرى الإشعار ، لكنه ظل يتمتم بعدم رضاه.
بعد أن استقر بي المقام ووضعت عن كاهلي بعض الرهق ، أرسلتُ إلى الشابة “إبنته” رسالة شكر ، عبّرتُ فيها عن امتناني لرفقتها الطيبة طوال إحدى عشرة ساعة ، وعن استيائي من تصرف والدها ، وقلت لها لو كان والدي مكانه ، وأنتما برفقتنا ، لما اكتفينا بإيصالكم فحسب ، بل لأكرمناكم في دارنا ، ولنحرنا لكم الذبائح ، ثم خيّرناكم بين البقاء معنا أو إيصالكم دون مقابل أو منٍّ أو أذى… تلك هي أخلاقنا ، أخلاق السودانيين… لنا عودة.
