زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة حين تضيق السبل… هل يكفي الحظر لإنقاذ الجنيه؟
زاوية خاصة
نايلة علي محمد الخليفة
حين تضيق السبل… هل يكفي الحظر لإنقاذ الجنيه؟

في توقيت يمر فيه الإقتصاد السوداني بأزمة خانقة ، أعلنت وزارة الصناعة والتجارة تمسكها بقرار حظر استيراد قائمة واسعة من السلع ، معظمها يُصنّف ضمن الكماليات ، مع استثناءات محدودة ، في خطوة تبدو كأنها محاولة مباشرة لكبح نزيف العملة الصعبة ، في ظل التدهور المتسارع لقيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية ، القرار في ظاهره يحمل مبررات اقتصادية منطقية ، لكنه في عمقه يثير أسئلة أعقد تتصل بواقع الاقتصاد السوداني المثقل بالحرب والاختلالات الهيكلية.
من الناحية النظرية ، تقليل الواردات خاصة الكمالية منها ، يُفترض أن يخفف الضغط على الطلب على الدولار ، ويمنح الجنيه فرصة لالتقاط أنفاسه ، فالسودان الذي يعاني شحًا في النقد الأجنبي ، لا يحتمل نزيفًا إضافيًا على سلع يمكن الاستغناء عنها أو إنتاج بدائل محلية لها ، كما أن توجيه الاستيراد نحو الضروريات فقط قد يسهم في إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية ، خاصة في ظل تراجع الإنتاج وتعطل سلاسل الإمداد بسبب الحرب.
لكن هذه الصورة المثالية تصطدم بواقع أكثر تعقيدًا ، فالسوق السوداني بطبيعته الهشة، قد لا يستجيب للحظر بالطريقة المأمولة ، التجارب السابقة تشير إلى أن مثل هذه القرارات غالبًا ما تفتح أبواب التهريب وتغذي السوق الموازي ، حيث تُستورد السلع نفسها بطرق غير رسمية وبأسعار أعلى ، ما يضاعف الأعباء على المستهلك بدل تخفيفها ، وفي ظل ضعف الرقابة وتآكل مؤسسات الدولة بفعل الحرب ، يصبح تنفيذ الحظر تحديًا حقيقيًا ، لا مجرد قرار إداري ،
الأثر الآخر الذي لا يقل أهمية هو انعكاس القرار على الأسعار والتضخم ، فحظر سلع غذائية مثل بعض المنتجات المصنعة ، أو حتى مدخلات إنتاج بعينها ، قد يؤدي إلى ندرة في الأسواق ، وبالتالي ارتفاع الأسعار ، وهو ما يفاقم معاناة المواطن الذي يواجه أصلًا تدهورًا في قدرته الشرائية ، كما أن إدراج بعض السلع ضمن الحظر ، رغم ارتباطها بسلاسل إنتاج محلية ، قد ينعكس سلبًا على قطاعات صناعية صغيرة تعتمد جزئيًا على مدخلات مستوردة.
في المقابل يمكن للقرار إذا ما أُحسن تنفيذه أن يشكل فرصة لإحياء الإنتاج المحلي ، حظر استيراد المنسوجات أو الأثاث أو بعض الصناعات الغذائية قد يدفع المستثمرين المحليين لسد الفجوة ، بشرط توفر بيئة إنتاج مستقرة ، وهو شرط لا يزال غائبًا في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل ، فالإنتاج لا ينمو بالقرارات وحدها ، بل يحتاج إلى بنية تحتية، وتمويل ، واستقرار سياسي وأمني ، يبقى السؤال الجوهري ، هل الحظر حل أم مجرد مسكن؟ في واقع اقتصاد يعاني من حرب ، وتراجع صادرات، وضعف ثقة ، فإن معالجة أزمة الجنيه تتطلب أكثر من كبح الواردات ، تحتاج إلى رؤية شاملة تعيد بناء القطاعات الإنتاجية ، وتضبط سوق النقد ، وتستعيد الثقة في السياسات الاقتصادية.
قرار الحظر قد يكون خطوة في الاتجاه الصحيح ، لكنه لن يكون كافيًا ما لم يُدعَم بإصلاحات أكثر قوة ، فالجنيه لا يستعيد عافيته بالمنع فقط ، بل بالإنتاج والاستقرار، وإدارة اقتصادية تتجاوز ردود الأفعال إلى التخطيط طويل المدى… لنا عودة.
