منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد الاخر د مصعب بريــر تروس الكرامة تدور.. قرار وطني شجاع يوقظ مارد الصناعة وينعش عافية الجنيه ..!

0

البعد الاخر

د مصعب بريــر

تروس الكرامة تدور.. قرار وطني شجاع يوقظ مارد الصناعة وينعش عافية الجنيه ..!

 

في خطوة حكومية جريئة ومحورية تصدرت المشهد الاقتصادي هذا الأسبوع، برز التوجه نحو حظر استيراد قائمة واسعة من السلع الكمالية في مسعى عاجل لكبح جماح تدهور الجنيه السوداني وتخفيف الضغط على النقد الأجنبي. هذا التحرك، الذي أثار نقاشاً حيوياً بين مؤيد يرى فيه طوق نجاة للصناعة الوطنية، ومحذر يخشى من خنق شريان الإنتاج، يضع الاقتصاد السوداني أمام اختبار دقيق لمدى قدرته على التعافي والاعتماد على الذات في زمن الحرب. هي محاولة لاستعادة التوازن في سوق أنهكته الأزمات، وتوجيه لموارد البلاد الشحيحة نحو ما ينفع الناس ويمكث في الأرض.

وقبل أن تتجه الأمور نحو التأويلات أو إثارة الهلع في الأسواق، سارعت وزارة الصناعة والتجارة لضبط المشهد بمسؤولية عالية، مؤكدة أن القائمة المسربة التي ضمت أكثر من 46 سلعة كانت مجرد مقترح أولي خضع لمشرط المراجعة. وبنظرة فاحصة، تم سحب سلع استراتيجية ومدخلات إنتاج حيوية كالأرز، والصلصة، والأسمنت من قائمة الحظر، تمهيداً لمؤتمر صحفي يحدد القائمة النهائية وموعد التنفيذ. هذا التوضيح السريع يبعث برسالة طمأنة بأن القرار سيأتي كمبضع جراح دقيق، يعالج خلل الميزان التجاري ولا يقتل جسد الاقتصاد المنهك أصلاً.
إن الدوافع العميقة خلف حظر السلع الكمالية تبدو منطقية، بل ووطنية بامتياز. فقد كان فتح باب الاستيراد على مصراعيه ضرورة أملتها صدمة الحرب الأولى لتأمين احتياجات الناس، لكن مع استعادة الوطن لبعض عافيته، لم يعد مقبولاً استنزاف العملة الصعبة في استيراد سلع أغرقت الأسواق، مثل البسكويت، والمياه الغازية، والحلويات، و”الإندومي” من دول الجوار، بينما تقف مصانعنا المحلية معطلة. هنا، تلمع ملاحم وطنية مشرفة، كأولئك الشباب من أصحاب المصانع في مدينة بحري الصامدة، الذين دفعوا مبالغ تجاوزت المليون دولار من حر مالهم لإعادة التيار الكهربائي وإدارة تروس آلاتهم من جديد. هؤلاء المخلصون يستحقون الحماية، وقرار الحظر المدروس يمثل درعاً لهم، ورداً عملياً على “لوبيات المصالح” التي لا ترى أبعد من أرباحها السريعة على حساب عافية الوطن.

على الجانب الآخر، وبنظرة تحليلية أعمق، تبرز تحذيرات اقتصادية جوهرية يجب أن تظل ماثلة أمام صناع القرار. فالاقتصاد السوداني الهش لا يتحمل أي مغامرات غير محسوبة تمس “مدخلات الإنتاج” والمواد الخام. إذا انزلق الحظر ليشمل مواد أساسية تعتمد عليها الصناعات التحويلية، كالنسيج أو الأغذية والدواء، فإن النتيجة خلال الأشهر الستة القادمة ستكون قاسية. سنشهد توقفاً جزئياً أو كلياً للمصانع، وارتفاعاً جنونياً في تكاليف الإنتاج، مما سيؤدي لندرة السلع وتفاقم التضخم الذي سيسحق ما تبقى من القوة الشرائية للمواطن. ناهيك عن تسريح العمالة، وزيادة معدلات البطالة، وازدهار أسواق التهريب السوداء التي ستلجأ لتوفير المواد الخام بأسعار مضاعفة وبلا رقابة، مما يهدد الأمن الغذائي والصحي بشكل مباشر.

تجارب الدول التي مرت باقتصادات حرب أو أزمات خانقة، تخبرنا بوضوح أن سياسات “إحلال الواردات” لا تنجح بقرارات المنع العاطفية، بل بالتخطيط الاستراتيجي. الحظر الشامل دون تمهيد أو توفير البديل يقود حتماً إلى الركود التضخمي. لذلك، ولكي يحقق هذا التوجه الشجاع أهدافه، يجب على متخذي القرار اعتماد تفرقة صارمة وحاسمة بين “السلع الاستفزازية” التي يجب إيقافها فوراً، وبين “مدخلات الإنتاج الخام” التي يجب إعفاؤها وتسهيل وصولها لدعم المصانع العاملة. بالتوازي مع ذلك، لابد من تفعيل آليات رقابة صارمة لمنع احتكار السلع المحلية ورفع أسعارها بشكل غير مبرر، مع تقديم حوافز ضريبية وجمركية استثنائية للمنتج المحلي لضمان وفرة المعروض وجودته.

بعد اخير :

خلاصة القول، يبقى هذا الانحياز لحماية وتوطين الصناعة قراراً يشبه في رمزيته وشجاعته ملاحم معركة الكرامة التي يخوضها الشعب السوداني. إن عجلة الإنتاج التي بدأت تدور مجدداً بأيدي أبنائنا، رغم الخراب والدمار، تثبت أن هذا البلد يمتلك قدرة مذهلة على النهوض من تحت الركام.

وأخيرًا، بشيء من الحكمة في التخطيط، والمرونة في التطبيق، وتضافر جهود المخلصين في القطاعين العام والخاص، سيتحول هذا التحدي الاقتصادي إلى فرصة ذهبية لبناء اقتصاد صلب ومستقل. وسيعود السودان، بمصانعه وحقوله وسواعد أبنائه، ليرسم قصة تعافٍ باهرة تعيد للجنيه هيبته، وللمواطن استقراره، وتثبت للعالم أجمع أن إرادة الحياة في هذا الوطن العظيم لا تُقهر.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاربعاء | 29 أبريل 2026م
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.