منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي حكاية اللبن المغشوش  السودان بعد الحرب... جهاد المال ورحمة الدولة وتكافل المجتمع - رؤية للتعافي وبناء الإنسان قبل العمران... بســـم الله الرحمـــن الرحيـــــم لواء متقاعد د/ معاوية صبري رشيدي المنظومة رمز الوطنية والكرامة الشرطة المجتمعية والإعلام... صناعة الوعي قبل مطاردة الجريمة   ✍️فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد   ... وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي التنمية المؤجلة... أولى الإجابات الشرطة المجتمعية والعقد الاجتماعي... وحتمية التغيير لتحقيق الأمن المستدام* ✍️ : _فريق شرطة حقوقي مح... هل ينجح الانتقال الديمقراطي في السودان  الأحزاب أحوج للإصلاح والهيكلة من الجيش (حزب الوطن) بقلم ال... *سنا الحقيقة* *المحكمة الدستورية.. حجر الزاوية في بناء الدولة وسيادة حكم القانون* *د/ أميرة كمال مصط... خبر وتحليل | عمار العركي عاد المواطن... والأمان لم يعُد ثم ماذا بعد العودة؟. وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي*  *قطر... ذاكرة لا تشتريها الحروب*

السودان بعد الحرب… جهاد المال ورحمة الدولة وتكافل المجتمع – رؤية للتعافي وبناء الإنسان قبل العمران ✍️ بقلم السفير/ رشاد فراج الطيب

0

السودان بعد الحرب… جهاد المال ورحمة الدولة وتكافل المجتمع
– رؤية للتعافي وبناء الإنسان قبل العمران

✍️ بقلم السفير/ رشاد فراج الطيب

 

ليست كل الحروب مجرد مواجهات عسكرية تنتهي بتوقف إطلاق النار ، ولكن بعض الحروب ، ومنها الحرب علي شعب السودان ، هي زلزال اجتماعي وديمغرافي واقتصادي ستعيد تشكيل حياة أهله لعقود طويلة .

وما شهده السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م ، لم يكن مجرد صراع على السلطة ، بل هو تمرد وعدوان خلف كارثة إنسانية غير مسبوقة في تاريخ البلاد الحديث ، وربما في تاريخ المنطقة بأسرها .

وتكفي الإشارة إلى ما أعلنته الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية من أن السودان أصبح اليوم يواجه أكبر أزمة إنسانية وأكبر أزمة نزوح في العالم .

فوفقًا لتقديراتها يحتاج أكثر من 33 مليون إنسان إلى مساعدات إنسانية وحماية ، بينما اضطر أكثر من 14 مليون سوداني إلى مغادرة ديارهم ، ويواجه نحو 20 مليون شخص نقصا حادًا في الأمن الغذائي ، فضلاً عن ملايين الأطفال المحرومين من التعليم ، وآلاف الأسر التي فقدت مصادر دخلها ومساكنها ، وعشرات الآلاف من المرضى الذين بات الدواء بالنسبة لهم حلمًا بعيد المنال .

وسواء كانت هذه الأرقام دقيقة بكل تفاصيلها أو كانت محل نقاش ، فإن الحقيقة التي لا يختلف حولها اثنان هي أن حجم المعاناة أكبر من أن يوصف بالأرقام ، وأن خلف كل رقم إنسانًا ، وأسرةً ، وقصة ألم ، وأمًا تبكي ، وطفلًا جائعًا ، ومريضًا ينتظر دواء ، وطالبًا غادر أو يخشي أن يغادر مقاعد الدراسة ، وأسرةً متعففة تخفي فقرها حياءً وعزة نفس .

إن هذه الكارثة تفرض على الجميع مسؤوليات تاريخية واخلاقية ، فليس في المستطاع أن تتحملها الدولة وحدها ، ولا المجتمع المدني وحده ، ولا أن يقتصر دور الأغنياء على التعاطف اللفظي والمساهمة الهامشية الباردة .

إنها لحظة تستدعي استنفار الأمة كلها ؛ حكومةً ، وقطاعًا خاصًا ، ومؤسسات اجتماعية ، واحزاب ، ومنظمات مجتمع مدني ، ومغتربين ، وأفرادًا .

وأولى هذه المسؤوليات تقع على عاتق الدولة ، فالحكومة مطالبة اليوم بأن تنظر إلى المواطن بعين الرحمة والمسؤولية ، لا بعين الجباية والإيرادات ، فليس من العدل أن يتحمل المواطن الذي أنهكته الحرب مزيدًا من الرسوم والضرائب والتعقيدات الإدارية ، وهو الذي فقد منزله ، وممتلكاته ومصدر رزقه وعمله ، أو تجارته، أو مدخراته .

إن المرحلة تقتضي تغييرًا جذريًا في الفلسفة الاقتصادية والاجتماعية للدولة والحكومة ، والانتقال من اقتصاد يعتمد على تعظيم الإيرادات والي البحث عن موارد جديدة من غير جيب المواطن ، إلى اقتصاد تنموي واجتماعي يقوم على توسيع الإنتاج ، وتحفيز الاستثمار ، وخلق فرص العمل ، وتسهيل الأعمال ، واستعادة النشاط الاقتصادي الذي تم تجريفه .

فالدولة العادلة ليست هي التي تثقل كاهل الناس بالرسوم والأعباء وتقهر الشعب بسيف القانون والسلطان ، وإنما التي تساعدهم على الإنتاج ، لأن المواطن المنتج هو الذي يصنع الثروة ، ويوفر الإيرادات ، ويحقق الاستقرار .

ومن هنا تبرز الحاجة إلى حزمة عاجلة من السياسات ، في مقدمتها تخفيف الضرائب والرسوم ، وتبسيط الإجراءات ، وإزالة القيود البيروقراطية ، وإعادة تشغيل الأسواق ، ودعم المشروعات الصغيرة والتمويل الأصغر ، وتشجيع رواد الأعمال والشباب ، وتمكين الأسر من استعادة مصادر رزقها .

فإعادة بناء الاقتصاد تبدأ بإعادة بناء قدرة الإنسان على العمل والكسب الكريم ،
كما أن الوقت قد حان لإحياء فلسفة الاقتصاد الاجتماعي ، التي توازن بين كفاءة السوق وعدالة المجتمع ، وتجعل التنمية في خدمة الإنسان ، لا الإنسان في خدمة المؤشرات الاقتصادية .

فنجاح أي سياسة اقتصادية لا يقاس بحجم الإيرادات وسلامة المؤشرات فقط ، وإنما يقاس بقدرتها على تخفيف الفقر ، وتقليل البطالة ، وتحسين حياة المواطنين ، وحفظ كرامتهم .

ولا يقل عن ذلك أهمية إعادة الاعتبار للنظام التعاوني الذي عرفه السودان لعقود طويلة ، فقد أثبتت التعاونيات قدرتها على تخفيض تكاليف المعيشة ، ودعم الإنتاج الزراعي والحرفي ، وتعزيز التكافل بين المواطنين .

كما ينبغي تعزيز دور ديوان الزكاة ، والتمويل الأصغر ، وصناديق الضمان الاجتماعي ، وشبكات الأمان الاجتماعي ، والأسر المنتجة والريفية حتى تصبح أدوات فاعلة في حماية الفئات الأكثر هشاشة وحاجة .

أما القطاع الخاص ، فإن مسؤوليته اليوم تتجاوز تحقيق الأرباح ، فالمسؤولية الاجتماعية لم تعد عملًا تطوعيًا هامشيًا او مجرد دعاية للعلاقات العامة ، بل أصبحت شريكًا في حماية المجتمع

إن رجال الأعمال ، وأصحاب الشركات ، والمصارف ، والمغتربين ، مدعوون إلى مضاعفة مساهماتهم في كفالة الأسر المتعففة ، وعلاج المرضى ، ودعم التعليم، وتمويل المشروعات الصغيرة ، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب .

كما أن منظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية والإنسانية مطالبة بدورها بمضاعفة جهودها ، والتوسع في العمل الإنساني والتنموي ، وتطوير أدواتها ، وتنسيق أعمالها ، لأن حجم الكارثة يتطلب آلاف المبادرات ، لا عشرات المبادرات ، ويتطلب تعبئة وطنية شاملة لا تعرف التنافس إلا في فعل الخير .

ويبقى جهاد المال هو العنوان الأكبر لهذه المرحلة ، فقد جعل الإسلام الإنفاق عبادة ، والزكاة ركنًا ، والصدقة برهانًا على صدق الإيمان ، فقد قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ، وقال سبحانه : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾. وقال رسول الله ﷺ : « الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله » .

إن الواجب اليوم أن نبحث عن المتعففين قبل السائلين ، وعن الأرامل قبل القادرين ، وعن المرضى قبل أن يفتك بهم المرض ، وعن الطلاب قبل أن يغادروا مدارسهم لعجزهم عن سداد الرسوم ، وعن الشباب قبل أن يقتلهم اليأس .

فليس المقصود أن نعالج آثار الكارثة فقط ، بل أن نصنع مستقبلًا جديدًا يمنح الناس القدرة على التعافي و الوقوف من جديد .

إن السودان لن ينهض بالمساعدات والاغاثات وحدها ، ولا بالخطب والشعارات ، وإنما ينهض عندما تتحول الرحمة إلى سياسات ، والتكافل إلى مؤسسات ، والمسؤولية الاجتماعية إلى ثقافة ، والإنتاج إلى مشروع وطني ، والعمل إلى قيمة عليا .

لقد آن الأوان لأن ننتقل من إدارة الأزمة إلى صناعة التعافي ، ومن اقتصاد الجباية إلى اقتصاد التنمية ، ومن منطق انتظار الإغاثة إلى منطق تمكين الإنسان ، ومن التعامل مع المواطن كرقم في تقارير الفقر إلى التعامل معه بوصفه أغلى ثروة تملكها البلاد .

إن هذه الحرب ، على قسوتها وفظاعتها ، يمكن أن تكون بداية ميلاد جديد للسودان ، إذا أحسنّا قراءة دروسها ، وجعلنا منها نقطة انطلاق نحو دولة أكثر عدلًا ، واقتصاد أكثر إنصافًا ، ومجتمع أكثر تضامنًا ، وإنسان أكثر كرامة.

فلتكن المرحلة القادمة مرحلة جهاد المال ، ورحمة الدولة ، ومسؤولية المجتمع والقطاع الخاص ، وإحياء قيم التكافل والتعاون ، حتى يتحول هذا الألم العظيم إلى مشروع وطني يعيد بناء الإنسان قبل العمران ، ويصنع سودانًا أكثر قوةً ، وتماسكا ، وعدلًا ، ورحمةً .

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.