صوت العقل اقتصاد إعادة الإعمار الخرطوم ليست مدينة احترقت، بل مدينة تستعد للانبعاث هناك مدن تقتلها الحروب،وهناك مدن تصنعها الحروب بقلم: ضياء الدين سيد سمهن
صوت العقل
اقتصاد إعادة الإعمار
الخرطوم ليست مدينة احترقت، بل مدينة تستعد للانبعاث
هناك مدن تقتلها الحروب،وهناك مدن تصنعها الحروب
بقلم: ضياء الدين سيد سمهن
بعد اكثر من ثلاث اسابيع علي وصولي الي السودان بعد نزوح ولجوء استمر لثلاث سنوات
وبعد تجوالي في عدة اماكن في الخرطوم بحري وام درمان والخرطوم ومشاهدتي لحجم الدمار وآثار الشظايا والقذائف وبقايا البنايات المحترقه وآلاف هياكل العربات الصدئه والمحترقه وآلاف الاطنان من بقايا الحديد والمعادن خلت نفسي في اكبر مجمع خرده في العالم هنا تذكرت كلام الشيخ زايد( والد محمدبن ناقص ) للباشمهندس السوداني باني نهضة دبي كمال حمزه اول رئيس لبلدية دبي(ياكمال ابغاك تعمل دبي مثل الخرطوم) كان هذا الحديث في بداية السبعينات حينما نالت الامارات استقلالها ،
تذكرت هذا الحديث وانا اتساءل عن لماذا عضت الامارات الايادي التي امتدت لها وعمرتها يبدوا انها عقده متأصله ومتجذره من الخرطوم ومقرن النيلين جعلت ابن زايد يجتهد في تدمير الخرطوم بأيادي حمt
ولكن الخرطوم ليست مدينة عادية حتى تموت بسهولة، وليست عاصمة كأي عاصمة حتى تنتهي بمجرد أن تتوقف المدافع. فما نراه اليوم من ركام وأسمنت متشقق، ومن سيارات محترقة ومبانٍ خاوية، ليس نهاية المشهد، وإنما الفصل الأخير من مرحلة، والفصل الأول من تاريخ جديد.
كل شارع مدمر، وكل جدار مثقوب، وكل جسر أصابه الخراب، يروي قصة الألم… لكنه في الوقت نفسه يعلن بداية قصة أخرى، عنوانها اقتصاد إعادة الإعمار.
لقد اعتاد الناس أن ينظروا إلى الدمار بوصفه خسارة، بينما تنظر إليه الدول العظيمة باعتباره نقطة انطلاق. فالركام ليس مجرد حجارة متناثرة، بل مواد خام. والخردة ليست نفايات، بل ثروة صناعية كامنة. والبيوت التي سقطت ليست نهاية العمران، بل فرصة لبناء مدن أكثر حداثة وكفاءة.
إن الخرطوم اليوم تشبه طائر الفينيق في الأسطورة؛ ذلك الطائر الذي لا يخشى النار، لأنه يعرف أن النار ليست نهايته، بل طريق ميلاده الجديد. وما أشبه الخرطوم اليوم بذلك الطائر… فقد أكلتها الحرب، لكنها لم تكسر روحها، وأحرقتها النيران، لكنها لم تطفئ إرادة أهلها.
لكن الفينيق لا ينهض وحده، وكذلك الخرطوم،إن انبعاث العاصمة لن تصنعه الخطب، ولا المؤتمرات، ولا الوعود، وإنما سيصنعه اقتصاد جديد، تتحول فيه إزالة الأنقاض إلى صناعة، وإعادة التدوير إلى استثمار، والبناء إلى قاطرة للنمو، والعمل إلى ثقافة وطنية.
إن ملايين الأطنان من الحديد والصلب والنحاس والألمنيوم التي خلفتها الحرب ليست عبئًا يجب التخلص منه، وإنما رأس مال وطني يجب استثماره. وإذا أُنشئت مصانع لإعادة التدوير، وعادت المصانع إلى الإنتاج، وتحولت الورش إلى خلايا عمل، فإن الحديد الذي مزقته الحرب سيصبح هو نفسه الحديد الذي يحمل جسور السلام، ويقيم المصانع، ويشيد المدارس والمستشفيات،ذلك هو الفرق بين أمة تبيع الخردة وأمة تصنع منها المستقبل.
إن إعادة الإعمار ليست عملية هندسية فحسب، بل مشروع حضاري يعيد بناء الإنسان قبل المبنى، والثقة قبل الإسمنت، والأمل قبل الطوب.
ولذلك، فإن المطلوب ليس إعادة الخرطوم كما كانت، بل إعادة اختراعها. مدينة أكثر جمالًا، وأكثر تنظيمًا، وأكثر قدرة على الحياة. مدينة تتعلم من جراحها، ولا تعيش أسيرة لها.
لقد خرجت أمم كثيرة من تحت أنقاض الحروب لتصبح من أقوى اقتصادات العالم، لأنها فهمت أن الخراب لا يُهزم بالبكاء عليه، وإنما بتحويله إلى فرصة للإنتاج والإبداع والعمل ودونكم المانيا واليابان
واليوم، يقف السودان أمام اللحظة نفسها،فإما أن ننظر إلى الركام بعين الضحية، فنرى نهاية كل شيء… وإما أن ننظر إليه بعين البنّاء، فنرى بداية كل شيء.
إن الخرطوم لا تحتاج إلى من يرثيها وينظر اليها بعين الشفقه كثور بقرت بطنه الذئاب وتركته حيا ينظر الي احشائه المتدليه ويعجز ان يقاوم الموت ، بل تحتاج إلى من يؤمن بها. لا تحتاج إلى دموع تُسكب على أطلالها، بل إلى سواعد تعيد رسم ملامحها، وعقول تخطط، ورؤوس أموال تستثمر، وإرادة وطنية تدرك أن الأوطان العظيمة لا تولد في أوقات الرخاء، وإنما تُولد من رحم المحن.
تحتاج الي من يفكر بطريقة تجعل من تلال الخرده هذه ثروه قوميه يستفيد منها المواطن اولا والبلاد وبدلا من جمع هذه االخرده وتصديرها لماذا لاتستجلب مصانع اعادة تدويرها الي داخل السودان وتوطين صناعة الصلب والمعادن وتشكيلها في البلاد
سيأتي يوم يعود فيه الناس إلى هذه المدينة، فيسيرون في شوارع جديدة، ويعبرون جسورًا جديدة، ويشاهدون مصانع تدور، وأحياء تنبض بالحياة، وقد ينسون حجم الدمار الذي كان هنا، ولكن لن ينسوا الايادي التي عبثت بمقرن النيلين
والتاريخ لن ينسى أن الخرطوم، مثل طائر الفينيق، لم تهزمها النار بل صنعت منها جناحين جديدين، وحلقت بهما نحو فضاءالمستقبل.
وحينها سيدرك الجميع أن إعادة الإعمار لم تكن مشروعًا لإزالة آثار الحرب فحسب، بكله. نت المشروع الذي أعاد بناء السودان كله.
