منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

قراءة في تجربة الضباط الإداريين في السلطة  كتب حسن البصير

0

قراءة في تجربة الضباط الإداريين في السلطة

 كتب حسن البصيرإ

ن منح الضباط الإداريين صلاحيات واسعة، امتدت من إدارة الوحدات الإدارية والمحليات إلى تولي مواقع قيادية على مستوى بعض الولايات، استند إلى دورهم التاريخي في حفظ انتظام العمل العام داخل مؤسسات الخدمة المدنية، وإلى افتراض أن وجود قيادة تنفيذية موحدة تمتلك سلطة القرار كفيل بإنفاذ السياسات وتحقيق الكفاءة الإدارية. غير أن التجربة العملية أثبتت أن اتساع الصلاحيات، في حد ذاته، لا يضمن جودة الإدارة ولا يقود تلقائياً إلى الحكم الرشيد.
فالإدارة الحديثة لم تعد مجرد تطبيق للوائح أو ممارسة للسلطة، بل أصبحت علماً يقوم على التخطيط الاستراتيجي، وإدارة الموارد، والحوكمة، واتخاذ القرار المبني على البيانات، وقيادة فرق العمل، وإشراك أصحاب المصلحة في رسم السياسات وتنفيذها.
وقد اتسع حضور الضباط الإداريين في مختلف مستويات الجهاز التنفيذي، وامتد في بعض الأحيان إلى قطاعات ذات طبيعة فنية وتخصصية. والمشكلة هنا لا تكمن في الأشخاص، فبينهم كفاءات وطنية مشهود لها بالنزاهة والخبرة، وإنما في هيمنة نمط إداري واحد على منظومة تتطلب بطبيعتها تكاملاً بين تخصصات متعددة. فالإدارة العامة، مهما بلغت كفاءتها، لا يمكن أن تحل محل الخبرة الهندسية في تخطيط المدن، ولا الخبرة الاقتصادية في إدارة الإيرادات، ولا الاختصاص القانوني في تنظيم المعاملات، ولا الخبرات المالية أو العمرانية أو الاجتماعية في معالجة القضايا المعقدة للمجتمعات المحلية.
كما أن الدولة الحديثة لا تُدار بعقلية الفرد أو المؤسسة الواحدة، وإنما بمنظومة تتوزع فيها المسؤوليات وفق الاختصاص، ويصبح التنسيق بين المؤسسات أكثر أهمية من تداخل صلاحياتها. لذلك، فإن تركيز السلطات التنفيذية في جهة واحدة، مع إضعاف الأدوار الفنية والتخصصية، قد يؤدي إلى قرارات يغلب عليها الطابع الإداري على حساب الاعتبارات العلمية والمهنية، وهو ما ينعكس في اضطراب السياسات، وتعدد الرسوم والجبايات، وتعقيد إجراءات الخدمات، بما يؤدي إلى تراجع ثقة المواطنين في مؤسسات الحكم المحلي.
ويقوم مفهوم الحكم الرشيد على مبادئ المشاركة، وسيادة القانون، والشفافية، والمساءلة، والكفاءة، والعدالة، والاستجابة لاحتياجات المواطنين. وهذه المبادئ لا تتحقق بمجرد منح السلطات، وإنما ببناء مؤسسات متكاملة يؤدي فيها كل تخصص دوره ضمن رؤية موحدة وأهداف واضحة.
لذلك، فإن إصلاح الإدارة في إطار الحكم الاتحادي ينبغي أن يبدأ بمراجعة فلسفة الحكم نفسها، لا بمجرد إعادة توزيع المناصب. ويتطلب ذلك الفصل المؤسسي بين الوظائف الإدارية والفنية والأمنية، مع تحديد دقيق للاختصاصات وآليات التنسيق بما يمنع تضارب الصلاحيات. كما يستلزم اعتماد معايير موضوعية في اختيار المديرين التنفيذيين ورؤساء الوحدات الإدارية، تقوم على الكفاءة والجدارة والخبرة القيادية، إلى جانب برامج تأهيل وتدريب مستمرة قبل التكليف وأثناء الخدمة، باعتبار أن الإدارة علم متطور لا يكفي فيه الاعتماد على الخبرة التراكمية وحدها.
ومن الضروري كذلك إعادة تنظيم إدارة الإيرادات المحلية وفق مبادئ الحوكمة المالية، وذلك بربط كل رسم أو جباية بخدمة عامة محددة، وتوحيد منافذ التحصيل، وإلغاء الازدواج، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد والإنفاق، حتى يشعر المواطن بأن ما يدفعه يعود إليه في صورة خدمات ملموسة. كما أن تطبيق سياسة الإحلال والإبدال بين القيادات الإدارية يسهم في تبادل الخبرات، والحد من الجمود الإداري، ويمنح القيادات فرصة أوسع لفهم التنوع الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات المحلية.
إن جودة الإدارة لا تُقاس بحجم الصلاحيات، وإنما بقدرتها على تحويل الموارد إلى تنمية، والسلطة إلى خدمة، والقرارات إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية. كما أن حساسية مواقع مثل أمين عام الحكومة أو المدير التنفيذي، بما تنطوي عليه من مسؤوليات تنفيذية وسياسية وإشراف على لجان أمنية، تقتضي أن يتم شغلها وفق آليات مهنية وأكاديمية دقيقة تُخضع المرشحين لتقييم موضوعي للكفاءة والقدرة القيادية قبل التكليف.
إن ما يُلاحظ من ضعف في الأداء في بعض المواقع قد يعكس، في بعض الحالات، قصوراً في معايير الاختيار أو تأثيراً للاعتبارات غير المهنية. ومن ثم، فإن ترسيخ معايير الجدارة والشفافية في شغل الوظائف القيادية يمثل مدخلاً أساسياً لبناء إدارة أكثر كفاءة، وعدالة، وقدرة على تحقيق أهداف التنمية وخدمة المواطنين.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.