منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

توت قلواك في الخرطوم… لماذا الآن؟ حسبو علي بخيت

0

قلواك في الخرطوم… لماذا الآن؟
✍️ حسبو علي بخيت

في السياسة لا وجود للمصادفات، ولا تُقرأ الزيارات الرسمية بمعزل عن توقيتها، فلكل خطوة حساب وتقدير مصالح، ولكل حركة رسالة، ولكل ظهور دلالة تتجاوز الصور والبروتوكولات. ولذلك لم يكن وصول توت قلواك إلى الخرطوم حدثًا عابرًا يمكن المرور عليه مرور الكرام، بل جاء في لحظة بالغة الحساسية، جعلت علامات الاستفهام تسبق علامات التعجب، ودفعت الرأي العام السوداني إلى التساؤل: لماذا توت قلواك الآن في الخرطوم في هذا التوقيت؟
فالزيارة جاءت عقب سلسلة من الانتصارات العسكرية التي حققتها القوات المسلحة السودانية في محور كردفان، حيث استعادت بارا، وجبرة الشيخ، وأم سيالة، وضيقت الخناق على المليشيا المتمردة، كما تزامنت مع الزيارة الميدانية التي قام بها القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان للخطوط الأمامية للعمليات العسكرية، برفقة اللواء أبو عاقلة كيكل، وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، في رسالة سياسية وعسكرية مفادها أن زمام المبادرة أصبح في يد الدولة السودانية وجيشها، وأن الميدان هو الذي يعيد رسم الخرائط ويكتب المعادلات الجديدة، التي هدفها الأول والأخير القضاء على هذه المليشيا المتمردة التي حاولت اختطاف الدولة السودانية بقوة السلاح.
وفي خضم هذا المشهد، يطل توت قلواك على الخرطوم، فتثور الأسئلة قبل أن تُعلن الإجابات، وتتزاحم التأويلات قبل أن تُكشف الأهداف. فما الذي استدعى هذه الزيارة في هذا التوقيت تحديدًا؟ وما الذي تغيّر حتى يتحرك توت قلواك الآن، بعد أن كانت البنادق هي اللغة الأعلى صوتًا؟ وبعد أن قضت الحرب على الأخضر واليابس، وتسببت في القتل والتشريد والنزوح وتدمير كل أركان الدولة السودانية؟
وإذا كانت الزيارة تحمل في طياتها محاولة لإحياء مسار تفاوضي، أو تسويق مبادرة جديدة بين الدولة السودانية والمليشيا المتمردة، فإن من حق السودانيين أن يتساءلوا: بأي رصيد من الثقة يأتي هذا الوسيط؟ وعلى أي أرضية من الحياد يقف توت قلواك؟
فقد ظل اسم جنوب السودان يتردد طوال فترة الحرب في سياق اتهامات متداولة تتحدث عن فتح الأراضي والمطارات والمستشفيات أمام المليشيا، وعن تقديم تسهيلات لوجستية أسهمت في إطالة أمد الصراع وزيادة اشتعال الحرب، بل إن هناك عناصر من جنوب السودان قامت بالمشاركة في تشغيل المدفعية التي استهدفت المدن والقرى السودانية، وتسببت في قتل الأبرياء والأطفال والنساء.
هذه الوقائع سوف تظل عالقة في وجدان الشعب السوداني مدى الحياة، دون أن يطويها النسيان. إن الحديث عن وساطة تقودها دولة جنوب السودان التي ساندت المليشيا المتمردة يصبح أمرًا عسيرًا، لأن الوسيط الذي تحيط به الشبهات يفقد أهم أدوات نجاحه، وهي الثقة.
إن الشعب السوداني، الذي دفع من دمائه وأمواله ومستقبل أبنائه أثمانًا باهظة، لم يعد يقبل أن تُختبر ذاكرته، ولا أن يُطلب منه تجاهل ما رآه بعينيه، أو تجاوز ما عاشه من أحزان وويلات. لقد انتهى زمن الاستخفاف بالدماء والأرواح، واللعب بعقول الشعب السوداني، وانقضى عهد تمرير المبادرات التي تُصاغ خارج إرادتهم أو تُفرض عليهم تحت عناوين براقة. إن الدولة السودانية اليوم قادرة على هزم هذه المليشيا المتمردة، ولا تحتاج إلى مسعد بولس، ولا توت قلواك، ولا رباعية، وكل هذه الأسماء التي تحمل في ظاهرها السلام المزيف، وفي باطنها مساندة المليشيا المتمردة وإعادة تدوير حركتها من جديد.
فالوساطة ليست لافتة تُرفع، ولا رحلة دبلوماسية تُلتقط لها الصور، وإنما هي مسؤولية أخلاقية وسياسية، لا ينهض بها إلا من تجرد عن المصالح، وابتعد عن مواطن الريبة، وحاز ثقة جميع الأطراف. أما إذا غابت الثقة، فإن الوساطة تتحول إلى عبء على الأزمة بدل أن تكون جسرًا للحل.
لقد تبدلت موازين القوى على الأرض، وأصبح الميدان هو الذي يفرض نفسه ويملي إيقاع السياسة، ولم تعد الوقائع كما كانت قبل أشهر. ومن ثم فإن أي مبادرة لا تنطلق من احترام سيادة السودان وقواته المسلحة، ولا تعترف بالمتغيرات العسكرية، ولا تراعي الإرادة الوطنية، ستولد وهي مثقلة بأسباب الفشل،
مهما حسنت عناوينها وتعدد رعاتها الذين يقفون من خلفها.
إن السلام الحقيقي لا يكون بإعادة إنعاش مشروع انهزم في الميدان وأصبح هشيمًا تذروه الرياح، ولا بمنح المليشيا فرصة جديدة لترتيب صفوفها تحت غطاء التفاوض، وإنما يكون بإرساء عدالة تحفظ هيبة الدولة، وتصون وحدة الوطن، وترد الحقوق إلى أهلها، وتؤسس لمستقبل لا مكان فيه للسلاح خارج مؤسسات الدولة.
ويبقى السؤال، بكل ما يحمله من مشروعية وإلحاح: ماذا يريد توت قلواك في الخرطوم؟ وهل جاء يحمل مبادرة تصب في مصلحة السودان وسيادته، أم جاء يبحث عن طوق نجاة لمليشيا أنهكتها الهزائم وأحاط بها الانكسار؟
إن الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، غير أن ذاكرة الشعوب لا تنسى، وإرادة الأمم التي ضربت أروع الأمثال في التضحية والفداء والبسالة، وقدمت الأرواح والمهج والغالي والنفيس فداءً، لا تُشترى. والسودان الذي يدفع اليوم ثمن بقائه، لن يقبل بعد الآن إلا سلامًا يصنعه أبناؤه، ويحرسه جيشه، وتصونه سيادته
*قناتنا في تلغرام*
https://t.me/sudaplatform
*وتابع صفحتنا على الفيس*
https://www.facebook.com/sudplatform
*وتابعنا على الانستغرام*
https://instagram.com/sudaplatform
*و قروب الواتساب*
https://chat.whatsapp.com/HKfvJ0z8hXOLwzuiI9XjfI

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.