منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

أم دافوق… حيث ينتهي الزحف وتبدأ معركة السيادة *كتب/ حسن البصير*

0

أم دافوق… حيث ينتهي الزحف وتبدأ معركة السيادة
✍️*كتب/ حسن البصير*

منذ اندلاع الحرب في السودان، تكررت على ألسنة القادة والجنود عبارة حملت من الدلالة أكثر مما حملت من الجغرافيا: “حدنا أم دافوق”. لم تعد أم دافوق مجرد بلدة حدودية في أقصى غرب البلاد، بل غدت رمزاً لاكتمال المهمة، وعنواناً للحظة التي يُعلن فيها أن آخر شبر من التراب السوداني قد عاد إلى سيادة الدولة، وأن مشروع التمرد قد سقط بلا رجعة. لقد تحولت هذه العبارة إلى وعد تتشبث به الذاكرة الوطنية، وإلى بوصلة معنوية تختصر إرادة المقاتلين وإيمانهم بأن المعركة لا تنتهي إلا عند الحدود، حيث ينكسر آخر معبر للفوضى وتتبدد آخر أوهام الذين راهنوا على تمزيق السودان.
▪️وفي الوجدان الشعبي، أصبحت أم دافوق تمثل الخط الفاصل بين مرحلة أنهكت البلاد بويلات الدم والخراب، ومرحلة يُؤمل أن تستعيد فيها الدولة هيبتها وسلطان القانون. فهي ليست مجرد نقطة على الخارطة، بل رمز لانطفاء فتنة أحرقت المدن والقرى، وأزهقت الأرواح، وشردت الملايين، وخلّفت جراحاً ستبقى شاهدة على قسوة تلك الحقبة.
ومن هنا، توافقت إرادة السودانيين مع عزيمة قواتهم المسلحة على أن اكتمال المهمة لا يكون إلا ببلوغ تلك النقطة التي ترمز إلى اكتمال استعادة الأرض.
▪️غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح لا يتعلق بحدود الزحف العسكري وحدها، بل بحدود المسؤولية السياسية والأخلاقية أيضاً. فإذا كانت أم دافوق تمثل نهاية العمليات العسكرية، فهل تكون كذلك نهاية الحساب؟ أم أن مقتضيات حماية الدولة تفرض مساءلة كل من موّل، وسلّح، وآوى، وهيأ الممرات، وفتح الأبواب لعبور السلاح والمقاتلين، وأسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إطالة أمد الصراع؟ إن الأمن القومي لا يُصان بالسلاح وحده، بل بحزم سياسي يردع كل من تسوّل له نفسه العبث بسيادة السودان أو تحويل أراضي الجوار إلى منصات تهدد أمنه واستقراره.
▪️لقد كشفت الحرب عن اختبارات عسيرة للعلاقات الإقليمية، وأزاحت الأقنعة عن مواقف لم تكن تتوقعها ذاكرة السودانيين. فبعض من كان يُفترض أن يقف موقف الشقيق اختار الاصطفاف في مسارات أثارت كثيراً من التساؤلات والمرارات. ولذلك، فإن مرحلة ما بعد الحرب تستوجب مراجعة دقيقة لخريطة العلاقات الخارجية، على أساس المصالح الوطنية والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بعيداً عن المجاملات السياسية أو الشعارات العابر
▪️لقد ظل السودان، عبر تاريخه، سنداً للمحتاجين، وملاذاً للاجئين، وظهيراً لحركات التحرر في محيطه الإفريقي والعربي، ولم يبخل بعطائه أو بمواقفه. غير أن التجارب القاسية أثبتت أن حسن النوايا وحده لا يكفي لصناعة أمن دائم، وأن السيادة لا تُصان إلا باليقظة، والقوة، والدبلوماسية الرشيدة، والقدرة على حماية المصالح الوطنية بلا تردد. فإذا كانت أم دافوق تمثل نهاية الزحف العسكري، فإنها ينبغي أن تكون أيضاً بداية مرحلة جديدة تُرسم فيها ملامح دولة أكثر قوة، وأكثر صلابة، وأكثر قدرة على صون حدودها وقرارها الوطني، حتى يدرك الجميع أن السودان ليس ساحة مستباحة، وأن زمن العبث بأمنه وسيادته قد ولّى إلى غير رجعة

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.